كنت قد وعدت قرائي الكرام بأن أتوقف عن تحليل الأوضاع السياسية والاجتماعية الراهنة في مصر بعد أن كتبت منذ قيام ثورة 25 يناير حتى أسابيع قليلة عشرات المقالات التي تعقبت مسار الثورة بمنهج تحليلي نقدي. وأردت من هذا القرار تغيير استراتيجيتي في الكتابة لأتحول من الحاضر إلى المستقبل عن طريق التركيز على مفهوم "الرؤية الاستراتيجية" التي تعني السياسات المتكاملة لبلد ما في العشرين عاماً القادمة. غير أنني وفي غمار عرض تحليلي لمجموعة من الرؤى السابقة تعرضت عرَضاً لأزمة وضع دستور جديد لمصر بعد الثورة حيث تحاول اللجنة التأسيسية التي استأثر حزب الحرية والعدالة الإخواني والتيارات السلفية بعضويتها على حساب عديد من الأطياف السياسية السيطرة على صياغة الدستور، والخلط بين الدين والسياسة في نصوص متعددة. وقد طرح عليَّ بعض قرائي الكرام تساؤلات عن اعتراضاتي على الدستور مع طلب تحديد المواد المختلف بشأنها التي أرفض صياغتها المقترحة. وعلى رغم أنني حقوقي ودارس للقانون الدستوري، إلا أنني لا أميل إلى المناقشات التفصيلية للمواد مادة مادة، ولا أحب التوقف طويلاً عند الصياغات اللفظية وبدائلها فذلك في رأيي مضيعة للوقت. وقد أتيح لي في ندوة عقدها منتدى البدائل الاستراتيجية أن أطرح وجهة نظر مغايرة مقتضاها أننا نحتاج أولاً كنخب سياسية وقبل الدخول في مناقشات اللجنة التأسيسية، أن نتفق على موضوع استراتيجي بالغ الأهمية، وهو ضرورة الانطلاق من نظرية متكاملة لوضع الدستور. وفي تقديرنا أن هذه النظرية المتكاملة تتضمن أربع نظريات فرعية. نظرية سياسية ونظرية اقتصادية ونظرية خاصة بالعدالة الاجتماعية ونظرية ثقافية. أما النظرية السياسية فهي تتعلق أساساً بالتوجهات الرئيسية للدولة، وهل سيتم الحفاظ على تقاليد الدولة المدنية المصرية أم ستتحول في الدستور المقترح إلى دولة دينية! ومن المعروف في الفقه السياسي أن الدولة المدنية تقوم على التشريع الوضعي تحت رقابة الرأي العام، أما الدولة الدينية فتقوم على الفتوى. وليس في هذا الرأي أي مبالغة لأن حزب "الحرية والعدالة" الذي يتمنى -في سياق الحلم باسترداد الفردوس المفقود أو إحياء نظام الخلافة مفهوم الدولة الدينية سبق أن رفض مشروع حصول حكومة الدكتور "الجنزوري" على قرض من البنك الدولي على أساس أن فوائده تعد ربا محرماً. وفي هذا خلط معيب بين الدين والسياسة والدين والاقتصاد. ومع ذلك من باب الانتهازية السياسية فإن وزارة "هشام قنديل" التي أمر بتشكيلها الدكتور "محمد مرسي" اندفعت بقوة للحصول على قرض البنك الدولي، وأفتى مفتي جماعة "الإخوان" بأن الفوائد ليست ربا بل هي مصاريف إدارية، واستند أيضاً إلى القاعدة الفقهية المعروفة وهي أن الضرورات تبيح المحظورات! غير أن أهم ما في النظرية السياسية التي نتحدث عنها هو التحديد القاطع لنظام الحكم، بحيث لا تطغى سلطات رئيس الجمهورية على كل سلطات الدولة بما في ذلك رئيس الوزراء والبرلمان. غير أن اللجنة التأسيسية التي يسيطر عليها "الإخوان المسلمون" والسلفيون وضعت نصوصاً في آخر مسودة طرحت للنقاش تتعلق بإعطاء سلطات مطلقة لرئيس الجمهورية، مما سيؤدي -لو قبلت هذه المادة- إلى صناعة ديكتاتور جديد يطغى بصلاحياته المطلقة على كل سلطات الدولة. ومن هنا أهمية التوافق السياسي أولاً وقبل الخوض في المواد التفصيلية حول نظام الحكم وهل يكون رئاسياً أو برلمانياً أو مختلطاً. غير أن النظرية الاقتصادية التي ينبغي الاتفاق عليها قبل الدخول في تفصيلات المواد تتعلق بنوع التوجه الاقتصادي للدولة، وخصوصاً بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وسقوط النظم الاشتراكية في أوروبا الشرقية التي كانت تطبق اقتصاد الأوامر بشكل مطلق من خلال نظريات تخطيطية جامدة. وأهم من ذلك حدوث الأزمة المالية العالمية الكبرى التي وقعت في الولايات المتحدة الأميركية وأثرت في عديد من الدول الغربية وأدت إلى سقوط الشركات والبنوك الكبرى، واضطرار الرئيس أوباما إلى أن يضخ أكثر من 700 مليار دولار لإنقاذها من الإفلاس وذلك من أموال دافعي الضرائب. ومعنى تدخل الدولة الأميركية هنا سقوط النموذج الرأسمالي النيوليبرالي الذي كان يمنع منعاً مطلقاً أي تدخل للدولة في الاقتصاد، إيماناً بالحرية المطلقة للسوق الذي -كما يقال- ينظم نفسه ذاتياً! وبالتالي أصبح تدخل الدولة المصرية في الاقتصاد ضرورة أساسية، وخصوصاً بعد أن سيطر أهل السلطة ورجال الأعمال الفاسدون على الاقتصاد المصري في عهد مبارك، مما أدى بعد الخصخصة وغيرها من السياسات الفاشلة إلى إفقار ملايين المصريين. ولكن ما هي حدود تدخل الدولة؟ هذا مضمون النظرية الاقتصادية التي ينبغي الاتفاق عليها بين مختلف الأطياف السياسية قبل وضع الدستور. وتبقى بعد ذلك نظرية العدالة الاجتماعية التي كانت أحد المطالب الرئيسية لثورة 25 يناير. وهذه إشكالية عالمية في الواقع جابهتها بطرق شتى النظم السياسية المختلفة. ويمكن القول إن هناك إنجازات نظرية كبرى حققها عدد من كبار الفلاسفة والاقتصاديين في الموضوع. وأهمها على الإطلاق نظرية الفيلسوف الأميركي المعروف "جون رولز" في كتابه الشهير "نظرية عن العدل" الذي كان ثورة في مجال الفكر الليبرالي لأنه -تأثر بالماركسية- قرر بكل وضوح وقطعية أن هناك مبدئين للعدل: الحرية السياسية والعدالة الاجتماعية. وهكذا ألف "رولز" تأليفاً خلاقاً بين مطلبين تسعى شعوب العالم منذ قرون لتحقيقهما. ويلفت النظر أن "رولز" عاد بعد حوالى عشرين عاماً من إصدار كتابه الذي غير مسارات الفكر العالمي إلى إصدار كتاب جديد نقح فيه أفكاره واستجاب للانتقادات التي وجهت إليه، وهو بعنوان "العدل باعتباره إنصافاً: إعادة صياغة" ثم ما لبث أن أسهم في الإنجاز الفكري العالمي المتعلق بالموضوع عالم الاقتصاد الأميركي الهندي الأصل "أماريتا سن" الذي حصل على جائزة نوبل في الاقتصاد بكتاب مهم عنوانه "إعادة التفكير في العدالة الاجتماعية". ومعنى ذلك كله أن النخبة السياسية المصرية من كل الاتجاهات كان عليها قبل الدخول في مشاحنات الدستور العقيمة القراءة النقدية للتراث النظري في موضوع العدالة الاجتماعية، وليس ذلك فحسب بل أيضاً الدراسة المقارنة لسياسات الدول المختلفة في الموضوع. وأخيراً نحن في حاجة إلى نظرية ثقافية عمادها مبدأ المواطنة الذي لا يميز بين المصريين وفقاً للنص الدستوري الشهير "المصريون سواء أمام القانون" فلا تفرقة بينهم على أساس الدين أو العقيدة أو الجنس. وهذه هي النظرية المتكاملة بفروعها المختلفة التي كان ينبغي على النخبة السياسية المصرية الاتفاق عليها قبل الدخول إلى قاعات اللجنة التأسيسية لصياغة المواد المختلفة وفقاً لتوجهاتها. هذا هو اجتهادي المتواضع في مجال وضع دستور لمصر الثورة.