بعد النهاية السلمية للمواجهة العسكرية في النجف الشهر الماضي، كان أمل الكثير من العراقيين والأميركيين هو أن يكون الصراع بين الحكومة العراقية المؤقتة، وبين رجل الدين الشاب مقتدى الصدر قد انتهى، وأن عناصر جيش المهدي التابع له سوف يعودون إلى حياتهم العادية. ولكن القتال الذي اندلع في أحياء مدينة الصدر الشعبية الفقيرة في بغداد منذ عدة أيام، يثبت أن هذا الشيء بعيد تماماً عن الحقيقة. فالتقارير الصحفية تشير إلى أن أتباع السيد الصدر، وبدلا من أن يتفرقوا قاموا ببساطة بالعودة إلى بيوتهم ليواصلوا القتال بعد ذلك. لذلك يمكن القول إن نقطة الضعف الأساسية في اتفاق السلام الذي تم التوصل إليه في النجف، وهي السماح لجيش الصدر بالاحتفاظ بأسلحته، قد ظهر تأثيرها واضحاً مؤخراً، وهو ما يدعونا إلى طرح السؤال المتعلق بالدور الذي ستلعبه المليشيات في عراق المستقبل.
وفي حين يذهب البعض حالياً إلى القول إن جماعة الصدر ستبدأ في شن حملة وحشية من حملات حرب العصابات، وهو ما سيشكل تهديداً دائماً لأية حكومة تأتي في العراق، فإن هناك آخرين يعتقدون أن تمرد الصدر الأخير، هو جزء من استراتيجية أكبر الهدف منها أن يؤمن لنفسه دوراً في مائدة المفاوضات، لتمهيد الطريق لتحويل جيشه إلى حزب سياسي عادي. والشيء الذي يبعث على الدهشة، هو أن هناك اهتماماً ضئيلا باحتمال ثالث، أكثر إثارة للقلق هو: تحويل جيش المهدي التابع للصدر إلى نسخة عراقية من "حزب الله" اللبناني.
و"حزب الله" ضمن لنفسه مكاناً ثابتاً في عالم "الإرهاب"، لأنه وجد صيغة فريدة للتوفيق بين قيود السياسة وبين الطبيعة القتالية للحزب. ويذكر أن "حزب الله" قد ظهر عقب الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982، باعتباره حزباً سياسياً هدفه إقامة جمهورية إسلامية في لبنان. ولكن الحزب سرعان ما أدرك بعد ذلك أن القيام بحملة إرهابية ذات دوافع دينية، سيخفق في تحقيق أي هدف سياسي خصوصاً في المشهد اللبناني المتعدد الإثنيات.
لذلك لجأ الحزب إلى تبني دور المدافع عن الشيعة والهادف إلى رفع المظالم الواقعة عليهم. وهكذا بدأ الحزب في الدعوة للاعتراف بمصالح وحقوق الشيعة، وفي تقديم المساعدات الاجتماعية والحياتية لهم.
غير أن الحزب راح في نفس الوقت يشن حملة محسوبة بعناية ضد إسرائيل، وهي حملة تراوحت تكتيكاتها ما بين شن حرب عصابات في جنوب لبنان ضد القوات الإسرائيلية، إلى شن هجمات على المؤسسات والمنظمات اليهودية في مختلف أنحاء العالم.
وفي أوائل التسعينيات كانت شعبية "حزب الله" ازدادت زيادة كبيرة مما شجعه على الاتجاه إلى العمل السياسي. وقام الحزب بعد ذلك بشن حملة شعبية ضد الفساد الحكومي، تكللت بحصوله على أكبر عدد من المقاعد في البرلمان اللبناني عام 1992. وفي الحقيقة أن "حزب الله" يعتبر حالياً أكثر الأحزاب نجاحاً في المنظومة السياسية اللبنانية.
ولكن ما علاقة ذلك بالعراق؟ إن تأمل (نموذج حزب الله) لم يعد مسألة أكاديمية فقط وخصوصاً عندما نعرف أن كلتا المنظمتين، "حزب الله" في لبنان، و"جيش المهدي" في العراق بينهما عامل مشترك هو أن الجهة التي ترعاهما واحدة وهي: إيران. نعم، إيران التي أرسلت في عام 1982، ما يقارب 2000 رجل من رجال الحرس الثوري الإيراني، لكسب عقول وقلوب الشيعة في لبنان. وليس هذا فحسب بل إن القرار القاضي بمشاركة الحزب في الانتخابات اللبنانية لم يتخذ في بيروت، ولكن في اجتماع عقد بين قيادة الحزب ورجال الدين الإيرانيين في طهران. أما بالنسبة لحالة مقتدى الصدر، فإن إيران هي التي أرسلت أسلحة لمساندة جماعته، كما يعتقد على نطاق واسع أن العملاء الإيرانيين يقومون بتدريب وتنسيق عمل المقاتلين الشيعة في مدينة الصدر في بغداد.
ولا يحتاج الأمر إلى خيال واسع، كي ندرك أن إقناع الصدر بتبني نموذج "حزب الله"، القائم على الدمج بين الرصاصة وصندوق الانتخابات سيكون في مصلحة إيران. فإيران وبعد عقود من الصراع تريد الآن إقامة علاقة طيبة بجارها العراق الجديد. وهي تريد كذلك أن تتأكد أن إخوانها من الشيعة العراقيين الذين جرى تهميشهم واضطهادهم كثيراً وطويلا على أيدي صدام حسين، ستكون لهم كلمة مسموعة في أية حكومة عراقية يتم تشكيلها في المستقبل. وعلاوة على ذلك، فإن إيران لا تمتلك الموارد ولا تمتلك القدرة السياسية على التحمل، التي تمكنها من إشعال نار حرب بالوكالة ضد قوات التحالف وضد الجماعات السنية والكردية في العراق. ثم إن التعدد العرقي في العراق، تماماً مثلما كان الأمر في لبنان، يجعل من احتمال نجاح الصدر في تحقيق انتصار حاسم على تلك القوى احتمالا غير وارد.
ولكن تحويل جيش المهدي إلى "حزب الله" عراقي كفيل بمعالجة كافة هذه الهموم. فمن ناحية سيضمن ذلك ضم الصدر للعملية السياسية، كما سيضمن مشاركة الشرائح الراديكالية والمسحوقة من الشيعة في تلك العملية، كما أن وجود جناح عسكري للحزب سيكون ورقة في يدي إيران.
وطالما أن الأمر كذلك، فما الذي يتعين على الحكومة العراقية ورعاتها