ظل أريك رولو يعتبر أحد أشهر الصحفيين الفرنسيين على صعيد عالمي طيلة العقود الستة الماضية، وتعود بدايات تلك الشهرة إلى اختيار هيبر بوف- ميري، مدير تحرير لوموند حينها، له ليكون محرراً لشؤون الشرق الأوسط، مستفيداً في ذلك من إتقانه للغة العربية بحكم خلفيته العائلية كابن لأسرة يهودية من مصر التي ولد فيها وهاجر منها في بدايات شبابه قبل ثورة "الضباط الأحرار" في 1952 بوقت يسير. ولكن الحظ ضرب ضربته الأولى مع "رولو" حين تمكن من تحقيق أكثر من سبق صحفي لنفسه وللوموند في تغطياته لأحداث تأميم قناة السويس، وللصراع الذي ترتب على ذلك، المعروف عربياً باسم "العدوان الثلاثي"، حيث بدأت شهرة الصحفي الشاب تأخذ أبعاداً جديدة انتسجت عليها مع مرور الوقت بداية علاقة شخصية بينه، وبين بعض أبرز قادة المنطقة وصناع القرار فيها في ذلك الوقت. وهكذا ضرب الحظ معه ضربة أخرى أكبر أيضاً حين منحه جمال عبد الناصر في سنة 1963 مقابلة حصرية أجراها معه في القاهرة، وتناقلت تفاصيلها جميع وسائل الإعلام العالمية في القارات الخمس، ليبدأ نجم "رولو" الدولي في الصعود إعلامياً وسياسياً، منذ ذلك التاريخ، ما فتح أمامه مغاليق جميع الأبواب في الشرق الأوسط وفرنسا، على نحو ما يبين هو ذلك باستفاضة بين دفتي كتاب أصدره منذ أسبوعين تحت عنوان: "في كواليس الشرق الأوسط... مذكرات صحفي دبلوماسي 1952- 2012". وبين دفتي هذا الكتاب الذي قدّم له صحفي فرنسي آخر لا يقل شهرة، مهتم بقضايا الشرق الأوسط هو "آلان غريش"، وعلى امتداد 440 صفحة، يسجل أريك رولو ذكرياته ومشاهداته على امتداد ما غطاه من حروب وأزمات عاصفة في المنطقة طيلة العقود الستة الماضية. وخلال ملاحقته للأحداث وتسجيله للوقائع والمواقف كان "رولو" أميناً لروح المقولة الشهيرة "إن الصحفي هو مؤرخ اللحظة" التي تنسب لمواطنه الأديب "ألبير كامي". فقد سجل الكاتب اللحظة الشرق أوسطية بكل جزئياتها وعمومياتها، ومن زوايا نظر مختلفة، حيناً باستعراض أسباب الحروب والأزمات الكبرى، وحيناً آخر بتتبع سير الرجال والقادة الذين صنعوا تلك الأزمات أو أداروها، وحيناً ثالثاً بالغوص مع الخلفيات التاريخية والثقافية، واستعراض كل ما يرتبط بها من المظالم والتظلمات والروايات والروايات المضادة، في سياق عام يتكشف في النهاية عن رؤية عامة متكاملة، من شأنها أن تزود الأجيال الشابة الآن بخامة معلومات كفيلة بمساعدتها على فهم كل أسباب التجاذب، وعدم الاستقرار في الشرق الأوسط الراهن. وضمن استعراض الأزمات يغوص "رولو" خاصة في الأسباب التي أدت إلى نشوب حربي 1956 و1967 والتداعيات المترتبة على كل منهما بالنسبة للمنطقة العربية وإسرائيل، وأيضاً تأثيرات كل ذلك على الجانب الغربي المرتبط بجانبي الصراع العربي/ الإسرائيلي، والفاعل بهذه الطريقة أو تلك في كافة أزمات المنطقة. وفي حديثه عن حرب 67 تحديداً يذهب الكاتب إلى أن العسكريين الإسرائيليين فرضوا على قادتهم السياسيين شن ذلك العدوان، وقد بلغت درجة ضغطهم على المستوى السياسي في تل أبيب درجة اعتبرها ببساطة "انقلاباً عسكرياً"، وفرضاً للإملاء والإرادة في نهاية المطاف. كما سجل أيضاً بكثير من التفصيل، وربما التأثر، وقائع وفاة عبد الناصر ومعطيات المعادلة الإقليمية في ذلك اليوم، خاصة أن الزعيم الراحل فرض على إسرائيل حرب استنزاف واسعة طيلة السنوات الثلاث اللاحقة على عدوان 67 وعمل طيلة تلك الفترة على احتواء آثار العدوان، والاستعداد لرد الصاع صاعين لإسرائيل. وضمن تأريخه لعلاقاته وذكرياته تجاه زعماء المنطقة يتحدث الكاتب أيضاً عن طيف واسع من القيادات التي لعبت دوراً كبيراً في رسم ملامح عقود التدافع والغليان تلك في الشرق الأوسط، مستعرضاً أدوار العديد من القيادات العربية والإسرائيلية مستدعياً ذكرياته عنها، وربما لا يستثني من ذلك سوى رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق ميناحيم بيغن الذي رفض إعطاءه مقابلة لاعتقاده بأن رولو "جاسوس مصري"! ويتحدث الكاتب باستفاضة أيضاً عن تحركات الزعامات العربية في تلك الفترة الحرجة، ومرحلة استعدادها لخوض حرب 1973 لإلحاق الهزيمة بإسرائيل وكسر شوكة تغولها في المنطقة لأول مرة. ومنذ عقد الثمانينيات، حين تحول مسار رولو المهني من العمل كصحفي محترف ليصبح سفيراً لبلاده تطورت أيضاً نظرته للأحداث، حيث أتيحت له زوايا رؤية جديدة وقل تحفظ محاوريه في المنطقة في الحديث معه، كما زادت مصداقية ما بات يسمعه من كلام، بحكم موقعه الرسمي الجديد. وهذا ما أتاح له استطراداً إثراء ذكرياته وشهادته على المنطقة، لكثرة ما سجل فيها من وقائع ومعلومات وتواريخ مضادة ممتدة منذ ثورة يوليو 1952 وحتى تحولات "الربيع العربي". حسن ولد المختار الكتاب: في كواليس الشرق الأوسط المؤلف: أريك رولو الناشر: فايار تاريخ النشر: 2012