يبدو أن شعار "الواجب والشرف والوطن" الذي يرفعه الطلبة العسكريون في أكاديمية "ويست بوينت" العريقة بالولايات المتحدة لم يعد بنفس القوة التي كان عليها في السابق، عندما كان الضباط المتدربون يفخرون بالانتساب إلى إحدى أعرق المدارس العسكرية في العالم، ولست هنا أتحدث عن تلك الأخطاء والهفوات الأخلاقية ذات الطبيعة الإنسانية، مثل ربط علاقة خارج الزواج ووقوع الجنرالات كبار ضباط البحرية في شباك الغواية التي يمارسها عليهم منصبهم وما يترافق مع واجب حماية الأمن القومي الأميركي من وجاهة ورفاهية، بل أتحدث هنا عن كون هؤلاء الجنرالات والضباط لم يكسبوا حرباً واحدة منذ فترة طويلة ولم يعودوا قادرين على الافتخار بذلك، فآخر انتصار عسكري حقيقي حققته الولايات المتحدة يرجع إلى الحرب العالمية الثانية ويعود فيه الفضل، حسب العديد من المؤرخين، إلى الجيش السوفييتي الذي ضحى بدماء غزيرة على الجبهة الشرقية، وإن كان بالطبع رهيناً في نجاحه بفتح الحلفاء لجبهة نورماندي التي فاجأت بها الولايات المتحدة ألمانيا النازية، وكذلك الجبهة الأخرى في صحراء إفريقيا التي خاضتها بريطانيا بنجاح. ولكن بعد الحرب العالمية الثانية جاءت الحرب الكورية ومع القوات الصينية وتعزيزاتها الجوية التي انتهت إلى طريق مسدود ومأزق عسكري ما زال قائماً حتى يومنا هذا بين الكوريتين. ثم بعدها كانت فيتنام التي أفضت، كما هو معروف، إلى هزيمة أميركية محققة. ويبقى الانتصار الوحيد الذي حققته الولايات المتحدة في السنوات القريبة هو حرب الخليج بين 1990 و1991، وإن كانت حرباً دولية شارك فيها تحالف دولي واسع ضد دولة صغيرة يقودها ديكتاتور أرعن عاش لعقد آخر تحت الحصار ليواجه تحالفاً دولياً آخر، خلال الغزو ولينتهي به المطاف مختبئاً في حفرة تحت الأرض، عندما ألقي عليه القبض. وبين حرب تحرير الكويت والحرب العالمية الثانية كانت هناك مغامرات عسكرية عدة استعرضت فيها أميركا عضلاتها على دول صغيرة، مثل غزو جرينادا في 1983 بذريعة إنقاذ تلك الجزيرة التي لا يتجاوز عدد سكانها 100 ألف نسمة من عمال البناء الكوبيين، وهي الحرب التي اضطر فيها الجيش والبحرية للتواصل باستخدام الهواتف العادية في الجزيرة الصغيرة لعدم تزويد الجيش بالأجهزة اللاسلكية، وبعد ذلك جاءت عملية "القضية العادلة" عام 1989 ،عندما حشدت أميركا قواتها مجتمعة لإلقاء القبض على رئيس باناما مانويل نورييجا المطلوب أميركياً لتورطه في تهريب المخدرات وإهانته القوى العظمى الأولى في العالم. وقد استغرق الأمر 14 يوماً كاملة قبل إلقاء القبض على نورييجا وجلبه للمحاكمة. ولاحقاً توالت الهزائم الأميركية في حربي العراق وأفغانستان اللتين انخرط فيهما الجنرال ديفيد بترايوس، فقد عمل في العراق بعد الغزو مباشرة، وبادر بتدريب ما كان وقتها الجيش العراقي الوليد بعد حل سلفه الجرار والجاهز أصلاً. ثم عاد إلى أميركا ليكتب دليلاً إرشاديّاً للجنود حول حرب العصابات استقى معظم أفكاره من كتاب مواجهة التمرد الفيلبيني ضد الولايات المتحدة الذي قاده الانفصاليون المسلمون، مطعماً دليله ذلك ببعض الدروس المستخلصة من الحرب الفرنسية في الجزائر، لينتهي الدليل الذي أعاد صياغته "بترايوس" إلى فكرة أساسية تذهب إلى ضرورة التعامل بلطف، ما أمكن مع السكان المحليين حتى وأنت تقصف بيوتهم وتخرب بلدهم،، من خلال إرسال مدرسين لتعليم اللغة وبناء المدارس ورعاية الانتخابات والدفاع عن حقوق المرأة. وفي العراق، بادر بترايوس برعاية القبائل السنية التي حملت السلاح ضد "القاعدة" وقاومت أيضاً الأغلبية الشيعية، كما كان وراء خطة زيادة عديد القوات الأميركية في العراق التي يرجع لها الصحفيون فضل النصر، وهو نصر تبخر تماماً بعدما غادر بترايوس العراق وانتخبت حكومة عراقية يهيمن عليها الشيعة، محولة البلد إلى حليف وثيق لإيران، وهو ما اضطر أميركا إلى الانسحاب تحت وقع الضغط. وربما يفسر ذلك أيضاً دعم واشنطن للمبادرات السنية لمساعدة الثورة السورية ضد نظام بشار الأسد المتحالف مع إيران والمدعوم من قبل روسيا. وعندما عاد بتراويس من العراق إلى الولايات المتحدة أصبح قائد القيادة الوسطى في "تامبا" بفلوريدا ثم لاحقاً تولى قيادة قوات التحالف في أفغانستان، وهي المرحلة التي تعرف فيها إلى كاتبة سيرته، "باولا برودويل"، التي انخرط معها في علاقة خارج إطار الزواج. وهذه الأخيرة التي يبدو أنها غارت من امرأة قريبة من الجنرال بعثت برسائل تحذيرية لها كانت وراء انكشاف الأمر لوسائل الإعلام. والحقيقة أن بترايوس ليس العسكري الوحيد الذي تورط في فضائح جنسية، بل سبقه عدد آخر من الضباط والسياسيين، ربما أشهرهم الرئيس الأسبق، بيل كلينتون. ومهما يكن الأمر يبقى اللافت بالنسبة للجنرال بترايوس وغيره من كبار الضباط هو العدد الكبير من النياشين التي تزين صدره، على رغم أنه كعسكري متخرج من "ويست بوينت" في 1974 لم يشارك في قتال فعلي على أرض المعركة إلا عندما كان قائداً في حرب الخليج، ولم يقلد طيلة مشواره العسكري سوى بميدالية واحدة هي ميدالية الشجاعة البرونزية! وعلى رغم أن بترايوس قد يكون ضابطاً متميزاً، إلا أنه ليس العسكري البطل الذي علق عليه البعض أمل قيادة أميركا في مرحلة من المراحل. ويليام فاف كاتب ومحلل سياسي أميركي ينشر بترتيب خاص مع خدمة "تريبيون ميديا سيرفيس"