عندما ولي نوري المالكي رئيساً للوزراء كنا معه قلباً وقالباً، على أمل أن يستغل فرصة الدهر، فيبدأ بإعمار البلاد وإصلاح النفوس، وجمع الكفاءات المشتتة على عرض الدنيا وطولها. ذلك بعد أن حل محل رفيقه في "حزب الدَّعوة الإسلامية" إبراهيم الجعفري، فالأخير كان يتحدث في مجلس الوزراء ساعتين عن فوائد العدس، عندما ظهرت المكرمة للعراقيين بربع كيلو عدس، ولا يجمع السامع من كلامه مفردة، ولا أدري كيف حفظت مقولةً له: "الثابت الرياضي لا يختنق في عنق المتحولة السياسية"! لم يترك الجعفري المنصب لرفيقه، لا لغيره، إلا بشرط عقد طويل الأمد لقصر منيف، قال لي أحد خلصائه مفتخراً لا ناقداً: "يمشي فيه الخيال شهراً" لشساعته. لثلاثة أعوام وأنا أكتب دعماً للمالكي، ووصفته برافع غصن الزيتون، وشبهته بالوزير ابن الفرات (قُتل 312 هـ)، وزير المقتدر العباسي (قُتل 320 هـ)، وكان الأخير حكيماً ومحاولاً الإصلاح. لكن قسوة مؤسسة المالكي ومكتبه على المتظاهرين، واستئثار خاصته وحزبه بالمراكز الحيوية، وحماية الفاسدين، وتكشيرته وتجهمه عند عدم حصوله على المنزلة الأولى في الانتخابات (2010)، وموكبه الحسيني الذي علقت فيه صورة له أكبر من ضريح الحسين، وأناط لنجله وصهره مناصب وجدت نفسي أنفخ في رماد، فالفجوة بدأت تضيق ما بينه وبين ما يسميه هو النظام الصَّدامي. عودة إلى بدئه، بُعيد إعلان نتائج الانتخابات الرئاسية الأميركية، بعد تنافس حاد، ظهر رومني مبتسماً مهنئاً خصمه أوباما، مع أن الخلاف على زعامة أميركا وبالتالي العالم، وليس هناك أنفس من هذا المنصب. ذلك ما ذكرني بتشكيرة المالكي عندما أُعلن عن فوز علاوي بمقعدين لا أكثر. ظهر متوتراً، خشيةً من خطف المنصب، الذي لم يكن حتى في الأحلام، وأصر على إعادة الفرز، ومع ما صرف مِن المال العام، ظلت النتيجة مثلما هي، بل ظل يلاحق المفوضية التي أظهرت النتائج حتى أطاح بها، خشيةً من الانتخابات القادمة، فالرجل يطلب التأبيد وعبر "الديمقراطية". نعم المالكي يطلب تأبيد السلطة، فقد نُقل عنه قوله: "اجت بأيدينا وما ننطيها"! والعراقيون يخلطون شيئاً مِن الآرامية في لهجتهم بحكم الأصول، فمعناها لغيرهم: "أتت لنا ولا نُعطيها". هذه العبارة نقلها ثقات عن نوري المالكي، ومَن يبتسم لخسارة طفيفة جداً، بمقعدين في البرلمان، بوجه خصمه لا يقولها. ولو قالها رئيس أميركي أو رئيس وزراء بريطاني لما استمرت الدولتان بنهجهما الديمقراطي داخل بلديهما، أما مع الخارج فالمصالح هي المتحكمة. لا أدري إن قرأ المالكي أو سمع فتأثر بمقولة عم الخلفاء العباسيين داود بن علي (ت 133هـ): «أعلموا أن هذا الأمر فينا ليس بخارج منا حتى نسلمه إلى عيسى بن مريم، عليه الصلاة والسلام، والحمد لله رب العالمين على ما أبلانا وأولانا» ،(الطبري، تاريخ الأمم والملوك). واطلع على ما نُقل عن الرئيس أحمد حسن البكر (ت 1982) عندما قال: "جئنا لنبقى"! إذا كان هذا شعار المالكي، فكيف نطلب منه ممارسة ما فعله رومني، أو ما فعله ساركوزي مع أولاند. صحيح أن المالكي لا يعرف الابتسامة، ولا أعضاء مكتبه السياسي، فالتجهم عندهم مِن الإيمان والوقار، وذلك شأنهم، لكن قيادة البلاد تحتاج إلى ابتسامة تسكب في النفوس الأمل، وأطباء النفوس، ومنهم رئيس الجمعية النفسية العراقية، الطبيب قاسم حسين صالح، يجهدون بلا فائدة لعمران ما تخربه السياسة، وما تعكسه المزابل في الطرقات والأسواق على نفسية المواطن. ستقولون وكيف أجزت المقابلة بين تقدم أميركا وديمقراطيتها الضاربة جذورها في الأعماق وتخلف العراق ومآسيه، إنها مقابلة مجحفة، فكتف المالكي تئن بحمل أطنان مِن المشاكل والعقد، فكيف تريد منه الابتسامة؟! أقول: ليست الديمقراطية من مفردات الإسلام السياسي، لا الشيعي منه ولا السني، لكن حسب تعليلهم، أنهم راجعوا برامجهم واقتنعوا بها بعد اكتشاف أنها لا تتعارض مع الدين، فاقتنعوا وفسروا الدين وأولوه لصالحهم بعد أن وجدوها مركباً سهلاً، وأخذوا يعتبرون أصلها موجوداً في "الشورى"، وكأن الآية الكريمة نزلت في هذا العقد من الزمان لا واحدة من آيات الكتاب العزيز! بعد أن كانت محرمة لديهم وفقيه "حزب الدعوة" كاظم الحائري له رأي صريح في تحريمها، مثلما لسيد قطب (أعدم 1966) رأيه الصريح أيضاً. فهل علينا إعادة صناعة الطائرة بطريقتنا كي نستعملها؟ إنما اتخذناها وسيلة بالاعتماد على ما وصل إليه العقل البشري، فالديمقراطية بضاعة أتتنا من حيث أتت الطائرة، ولا تحتاج إلى إعادة اختراع، كل عدتها أن يجري التنافس عبر صناديق الانتخاب، وأن يسلم بالنتيجة مهما كانت مرة، وما زال هناك تداول للسلطة فعلام هذا التجهم، بل يضيف معوقاً على المعوقات! ولا يقبل العذر بهبوط مستوى العراقيين، لا بل خرجوا عن بكرة أبيهم ينتخبون، ومارسوا الديمقراطية، لكن حاكميهم الجدد أخذوا يرضعونهم الثقافة الهابطة. المالكي لم يفعلها ويبتسم، وأي تلميذ مدرسة لم يحفظ لإيليا أبو ماضي (ت 1957) عن ظهر قلب، وأي كئيب لا يقاوم كآبته بإنشادها: "قال السماءُ كئيبة وتجهماً/ قلت: ابتسم يكفي التَّبسم في السماء". ولو فعلها المالكي وابتسم وهنّأ، وحول أجواء الانتخابات إلى فرحة لا أزمة، لسجلت له مفخرة في تاريخ العراق المعاصر. كان وراء تكشيرة المالكي هزيمته الطفيفة، ولولا أنه على رأس السلطة وسخر العدد والعدة لصالح قائمته ما حصل على هذا العدد من المقاعد (89 مقابل 91)، ولو خصمنا الأصوات التي حصل عليها الذين انسحبوا من البرلمان وكتلة المالكي لنزل عدد مقاعد حزب "الدعوة" و"دولة القانون" إلى أقل بكثير. كان وراء تكشيرة المالكي أن تبقى البلاد بعد ثلاث سنوات من الانتخابات بلا وزراء دفاع وداخلية وأمن، فهي تُسير بالوكالات، ولايزال الملايين تحت خط الفقر. كان يمكن لتهنئة المالكي وابتسامته، في تلك اللحظة، أن تصبح تقليداً ولازمة لمواسم الانتخابات القادمة، لكن والأبيات للوزير مؤيد الدِّين بن العلقمي (ت 656 هـ): "كيف يُرجى الصَّلاح في أمر قومٍ/ ضيعوا فيه الحزم أي ضياع/فمطاع الرأي غير سديد/ وسديد الرأي غير مطاع"(الحوادث النَّافعة). وهل حول المالكي، مِن مستشارين وخلصاء، سديدي رأيٍ؟!