جاء فوز أوباما الأسبوع الماضي ليسجل استثناءً آخر في العملية السياسية الأميركية. كان الاستثناء الأول هو وصول رجل أسود إلى البيت الأبيض في عام 2009، أما استثناء انتخابات 2012 فهو فوز ديمقراطي بولاية ثانية والذي لم يحدث إلا مرةً واحدةً خلال الستين عاماً الماضية، لكي يدخل أوباما التاريخ مرة أخرى. ورجع هذان الاستثناءان، وبلاشك، إلى صفات الرجل الفكرية والإنسانية، لكن كل ذلك يشكل أيضاً تحديات يجب على أوباما أن يواجهها، كما كان الحال في ولايته الأولى. وعلى الرغم من فوزه، فإن معركة الولاية الثانية كانت حامية الوطيس، إذ كان رومني منافساً قوياً، أقوى بكثير من جون ماكين في الولاية الأولى، فهو رجل ذو موارد، وبالرغم من أن رومني لم يفصح رسمياً عن ثروته، فهي تتراوح بين 190 و250 مليون دولار، وكان يتنقل في معظم حملته الانتخابية بطيارته الخاصة، و"في فمه ملعقة من ذهب"، كما يقول التعبير العربي. لكن بالإضافة إلى اعتماده على اليمين الديني القوي، فهو قد أثبت نفسه كحاكم لولاية من أقوى معاقل الديمقراطيين، هي ولاية ماساتشوستس في الشمال الأميركي، والتي تتميز بالليبرالية والمستوى الثقافي المرتفع جداً من جراء تركز معظم الجامعات الكبرى فيها. فبالإضافة إلى جامعة بوسطن أوكلين فلتشر للقانون والدبلوماسي، لا تزيد المسافة بين معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا وجامعة هارفارد عن محطة واحدة بالمترو، ولا تبعد جامعات نيويورك المتعددة إلا أربع ساعات بالسيارة. إنها إذن ولاية ليبرالية، وكانت معقل أسرة كيندي لعقود، ومع ذلك فاز فيها رومني كحاكم وأحرز إنجازات اقتصادية ضخمة، أولها تخفيض مستوى البطالة ووضع الولاية على طريق نهضة اقتصادية واضحة، وكل ذلك في إطار شركاء في الولاية لا يشاطرونه توجهه العقائدي اليميني. لقد كان رومني بالفعل منافساًً قوياً لأوباما، وعدم حسم النتيجة حتى اللحظات النهائية للتصويت كان أكبر دليل على ذلك. ثم فاز أوباما على منافسه، فهل يفوز في مواجهة تحدي الولاية الثانية ألا وهو الوفاء بعهوده؟ يجب الإقرار أولاً بأن خيبة الأمل في ولاية أوباما الأولى لم يكن فقط بسببه، ولكن أساساً بسبب ثورة التوقعات التي أثارها -دون عمد- في الداخل والخارج ثم عدم قدرته على الوفاء بها. فمثلاً ها هو أول زعيم من أصول أفريقية وإسلامية يأتي إلى البيت الأبيض، كما أن كلامه عن أصوله المتواضعة وكيف أنه تم منع والده من دخول بعض مطاعم البيض بالقرب من واشنطن، شجّع هذه التوقعات على أساس أنه واحد من الفقراء، لكنه قادر على تحقيق المعجزات، كما فعل بخاصة في الوصول إلى البيت الأبيض. كما أن سلوكه الدولي، وفيما يخصنا تحديداً، رفع سقف هذه التوقعات في البداية، حيث كانت أولى زياراته الخارجية الثلاث لدول إسلامية: تركيا، أندونيسيا، ومصر حيث ألقى خطابه الشهير في 24 يونيو 2009 من جامعة القاهرة، وقد أعلن يومها أنه يمد يده للعالم طالباً الشراكة بعد أن كان سلفه في البيت الأبيض -جورج بوش الابن- يربط بين الإسلام والإرهاب. ثم تزايدت تلك التوقعات بشكل كبير بعد إدانته بناء المستوطنات الإسرائيلية في القدس، ومواجهته شبه الدائمة مع نتنياهو حتى في داخل الكونجرس الأميركي ذاته. إن الولاية الثانية، وبكل تأكيد، لن تكون بداية جديدة، لكنها بداية أفضل، فالمفروض أن يكون أوباما أكثر ثقةً بنفسه وبسياساته، فبالرغم من الانتقاد الشديد لبعض سياساته في الداخل الأميركي وتدهور شعبيته، وقد تأكد ذلك خلال المنافسة الشديدة مع رومني، وحتى هزيمته أمامه كما حدث في المناظرة الأولى، إلا أن أوباما في النهاية حصل على دعم الغالبية من الجماهير الأميركية، وللمرة الثانية، كما أن رد فعل زعماء العالم -حتى خصومه وأعدائه (من إسرائيل إلى إيران)- يؤكد أنه خيارهم الذي سيعملون معه. ثم إن أوباما في ولايته الثانية أكثر معرفة بالساسة والسياسة -داخلياً وخارجياً- وأكثر حرية في التعامل مع المشاكل المتزايدة، لأن حياته السياسية الآن لم تعد متوقفة على تصويت الناخبين لولاية ثالثة، حيث لا يسمح الدستور الأميركي إلا بولايتين، كل هذا قد يجعل من أوباما أكثر جرأة ونزاهة في سياساته، وخاصة تجاه الشرق الأوسط. لكن السؤال الهام هو ليس أوباما، بل نحن العرب في هذه المنطقة، طالما أن من يحكم في واشنطن له نفوذ ضخم، بل هو في الواقع أقرب إلى أن يكون حكومة العالم. فما هي أجندة أولوياتنا تجاه الرجل الأسود في البيت الأبيض؟ وما هي الآليات التي سنلجأ إليها لتحقيق هذه الأولويات؟