في هذا العصر افتقدنا -للأسف- الكثير من الأخلاقيات نحن كمجتمعات عربية وإسلامية والتي كنا نباهي بها في مراحل ما. أخلاقيات في مختلف شؤون حياتنا وتعاملنا مع بعضنا أو غيرنا. فبالأمس كنا نتحاور بأدب، ونعتني كثيراً بالألقاب والأوصاف، نختلف ولكن الود يبقى، لا يفسده أنني لا أتفق معك أو ضد رأيك. كنا نحرص على مظهرنا، نراعي الذوق العام ونحرص على الإيتكيت البسيط الذي علمتنا إياه الحياة وأخذناه بالممارسة عن أهلنا في الترحيب بالضيف، الكرم، الصدق، المحبة، فعل الخير، كنا نخاف كثيراً من "المنقود"، تؤثّر فينا النظرة ومغازيها، تلك التي يلمحها الابن في وجه والده أو البنت عند أمها ونعرف دلالاتها من غير شرح ولا حديث. اليوم نتحدث مع بعض الأشخاص الذي صاحبناه زمناً أو الذي لا نعرفه من قبل بجفوة من غير تأدب، ونغضب سريعاً، ونشتم سريعاً، ونجرح بعضنا بعضاً بدون مقدمات، ودون عداوات مسبقة، لمجرد "فشة خلق" أصابتنا في لحظة أو لأننا لم نفهم بعضنا بعضاً. لا يحترم صغيرنا الأكبر منه سناً ونتقن عادات النميمة والغيرة ونكرر حالات الضجر ولا نشكر أبداً. هكذا حالنا في "تويتر"، وأيضاً في إذاعاتنا، وبعض قنواتنا وصحفنا. كذلك حال البعض في الأسواق، في لغة الشارع التي تسمع فيها ضجيج السيارات وتلاسن البشر الذين لا تعرفهم يشتمون ويصرخون، ويكاد بعضهم يصدمك بأنواره وأبواقه وحركاته لو أنك لم تفسح له الطريق الذي اشترى حقوقه لكي يكون سيد الحارة الأسرع فيه، يمشي عليه وحيداً. وفي المسجد يقابل ربه ببيجامة النوم وعلبة "السجائر"! القدوة ما عادت موجودة كما كانت، لا المعلم قدوة في مدرسته، ولا الأب كذلك في بيته. الشاعر يكتب قصيدة عذبةً ويعتني بألفاظها وصورها الحالمة لكنه عندما يتكلم في غيرها يفضحه لسانه. الممثل على المسرح نجم ملهم مؤثر وفي الواقع حالة أخرى يمثل شخصاً ملوثاً بمختلف العيوب وعاهات الغرور وتورم الذات. المطربة صوتها جميل كذلك وجهها وكلمات أغانيها لكنها خلف الستار من غير أصباغ ولا موسيقى وبلسانها الحقيقي مخلوق آخر! الفنانون في عصر الفن والنجوم هذا، هم أكثر الفئات تأثيراً، يمكنهم أن يرسخوا الأخلاقيات الجميلة ويمكنهم أن يصنعوا عكس ذلك. الناس تنظر لهم، تحبهم وتقلدهم، تتأثر بتصرفاتهم. وما نراه أن أكثرهم خاصة الجدد منهم وجهوا الجيل الجديد إلى أسوأ العادات والطباع في المظهر الخارجي من لباس وحركات، في التلوث السمعي الذي أسموه فناً، في الألفاظ وطريقة العيش بشكل عام! "فنان العرب"، كما أجمعنا وأحببنا أن نسميه، يحمل معايير مختلفة، نكاد نقول إنها انقرضت مع غياب قامات عصر الكبار، فالفنان الذي أكمل نصف قرن من الدهر وهو يغني لأجيال تلك الأزمنة في طفولتهم ومراهقتهم ورجولتهم وكهولتهم أيضاً، أجملَ الألحان وأعذب القصائد، انشغل أعلام مجلات الفنون بأخبار حفلاته وأغانيه إلا أنه لم يتطرق كثيراً لسيرته كإنسان يحمل رقياً ومعايير، ويمكن أن يكون قدوة للفنانين الآخرين. فكيف هو الوجه الآخر لهذا الفنان، بعيداً عن أضواء المسرح ووهج حضوره وصوته الآسر؟ رافقته عن قرب، فصاحبني كشخص سيعايشه لأيام معدودة، لم يعرف أنني قد أكون مسكوناً بالهوس الصحفي الذي يهتم بالتفاصيل، لهذا كان بسيطاً وطبيعياً في كل حركاته وردات فعله وأحاديثه. أعظم مزاياه أنه يحب جمهوره، ومتواضع لدرجة أن يوقفه طفل في الشارع و"يسولف" معاه ويلبي طلبه في صورة تجمعهما، يسلم وهو مبتسم على سائق التاكسي الذي شاهده عن بعد فأقبل عليه وموظفة الاستقبال التي تركت مكانها لتتصور معه. المئات أوقفوه من الجنسين ومن مختلف الجنسيات في المسجد والمطعم والشارع والفندق وقابلهم جميعاً ببشاشة وتحدث معهم ولبى طلباتهم الكبيرة: صورة تاريخية تجمعهم معه. ذكر موقفاً لابنته البكر"نورة" عندما كانت في مرحلة الدراسة الجامعية وردة فعلها مرةً عندما شاهدت سائق الأسرة جاء ليقلها في سيارة "الجمس"، فركبت غضبانة ومتأففة من هذا الموقف. وعلم أبوها بالأمر، فطلب منه أن لا يذهب لها في اليوم التالي، لأنه هو شخصياً سيقوم بإحضارها، وفعلاً ذهب لها وانتبه له حارس الجامعة، وتجمع من كان هناك للسلام عليه، وخرجت نوره لتشاهد هذا الموقف الغريب، والدها حضر لينقلها شخصياً بسيارة "وانيت" وأمام الجميع! يقول عبده: "وماله الوانيت، أردت أن أعلمها درساً في أن الإنسان بمعدنه وأن هؤلاء أحبوني لأنني محمد عبده". تجده أكثر الناس التزاماً بمواعيده رغم أنه قد يكون ضيف شرف لا لزوميات تتطلب منه، شاهدته مرهقاً من كثرة الجهد والحركة المتواصلة، لكنه كان يتجلد ويصّر على حضور البرامج. ومرة كان قد طلب منه إعلامي لقاءً في المساء وكان عائداً من رحلة مرهقة أخذت معظم وقته، فطلب تأجيل الموعد بعبارة: لو كان هناك مجال لذلك. رغم أن الإعلامي الذي طلب اللقاء لم يحرص على تأكيده أو أنه قد نسي الموعد! من أخلاقياته أيضاً أنه لا يذكر أحد من زملائه أو المنافسين له بسوء، إذا لم يبد محبته وتشجيعه فإنه يصمت. ودائماً يحتفظ بخصوصية حياته العائلية بعيداً عن الضجيج والإثارة والمزايدات. يميزه طبع الوفاء والحنين للناس الذين عايشهم وللأماكن، فهو يحمل للإمارات مثلاً، ذكريات عديدة، فيقول: إنني أول من غنّى للاتحاد عندما كان مشروع الاتحاد التساعي آنذاك، وأبوظبي بتفاصيلها ومراحل تطورها منذ السبعينيات لا تزال تسكن ذاكرته، زارها مرات ويحتفظ بصورة المكان وتحولاته. يراوده الحنين والذكريات فلم يمر على زاوية بأبوظبي إلا وتذكر المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه، مرات كان لا شعورياً يذكر بيت شعر لزايد أو يردد أغنية أحبها رحمه الله. ومن هذا الفنان الذي يتعرف عليك ليومين فقط، يسلّم عليك مودعاً في المطار، وما أن يصل بلده حتى يهاتفك من هناك. يشكرك مرة أخرى، ويعطيك عناوينه، ويقول لك: انتظرك في أي وقت، هذا بيت أخيك. عبده قال ذلك. أخلاقيات فنان في عصر متضخم بمئات النجوم والنجمات الذين نجدهم يولدون في منطقتنا العربية كل ساعة لسرعة وكثرة تعدادهم، لكن محمد عبده تخطى مرحلة النجم، فهو اليوم رمز، ومدرسة فنية في الغناء والعطاء والأخلاقيات وهذه الأخيرة يصعب تكرارها لأنها تحمل أصالة وقيم وتجارب وثقافة الإنسان. ??