قبل الخلود للنوم ليلة السادس من نوفمبر الجاري، وجدت نفسي أتابع البرامج التلفزيونية التي تحدثت بحذر شديد عن نتائج الانتخابات الأميركية، ولم أتنفس الصعداء إلا في صبيحة اليوم التالي عندما تأكد خبر فوز أوباما بولاية ثانية. ذلك أن 70 في المئة تقريباً من سكان المملكة المتحدة أيدوا أوباما وتمنوا نجاحه على غرار باقي مواطني أوروبا الغربية الذين لا يخفون ميلهم لأوباما، كما أن رئيس الحكومة، كاميرون، ينسجم على نحو جيد مع الرئيس الأميركي وقد أظهرا في الفترة السابقة حساً تعاونياً عالياً، بالإضافة إلى التنسيق المشترك بين وزير الخارجية (هيج) ونظيرته الأميركية (هيلاري) بشأن عدد من القضايا المهمة وعلى رأسها الشرق الأوسط. هذا التعاون الوثيق بين بريطانيا والولايات المتحدة تجلّى بوضوح في العمليات العسكرية التي استهدفت "ليبيا القذافي" خلال العام الماضي. فرغم ما بدا أنه تراجع لواشنطن عن القيادة لصالح القوى الأوروبية، فالواقع يؤكد المشاركة الفاعلة لأميركا وتنسيقها المستمر مع بريطانيا لحماية المدنيين في ليبيا، وما استتبع ذلك من إسقاط لنظام القذافي. واليوم يجد البلدان نفسيهما في مخاض مشترك لحلحلة الأزمة المتواصلة في سوريا، لذا ومنذ بداية الانتفاضة الشعبية السورية قبل أكثر من عام تقريباً وأميركا وبريطانيا تدركان قصور "المجلس الوطني" السوري ونقاط ضعفه الكثيرة التي حالت دون تبلور أجندة واضحة للمستقبل السوري، إذ لم يُبن المجلس عن قدرته على ضم باقي الفصائل السورية المعارضة، وبدا الأمر وكأن لوناً واحداً يطغى على المجلس. لكن رغم ذلك التزمت الدول الأوروبية والولايات المتحدة بدعمه سياسياً وتأييده دبلوماسياً لأنه كان أفضل الموجود. وفي هذا السياق عينت المملكة المتحدة أول مبعوث لها لدى المجلس الوطني السوري، وهو السفير السابق لدى لبنان "فرانسيس جاي"، ثم لاحقاً عينت المستعرب الخبير بشؤون الشرق الأوسط "جون ويلكيز"، للتشاور مع المجلس ومده بالنصيحة. ولا شك أن الرجلين رفعا تقاريرهما إلى وزارة الخارجية التي تتحدث عن الانقسام الأيديولوجي داخل المجلس، ونقلا الشعور بأن المجلس منفصل عما يجري في أرض المعركة بسوريا وغير متابع لمجريات الأمور في القرى والبلدات السورية التي تتعرض للقصف، كما لابد أنهما نقلا صورة المجلس باعتباره حاضنة لنشطاء ومعارضين عاشوا فترات مديدة من حياتهم في المنفى بسبب القمع الذي مارسه النظام السوري ضد الأصوات المعارضة، ما جعل العيش داخل سوريا بالغ الصعوبة. وإذا كان لا أحد يقلل من كفاءة العديد من الشخصيات السورية المعارضة في المجلس الوطني، إلا أن هذا الأخير وعلى مدار شهور من العمل، فشل في تقديم مساعدات فعلية للثوار الذين يقاتلون على الأرض، وأخفق أيضاً في ترك انطباع جيد لدى الدول الأعضاء في الأمم المتحدة التي تسعى لإسقاط الأسد بسبب الانقسامات الداخلية والصراعات التي تنخر جسده، وربما هذا الواقع هو ما كان وراء تصريحات هيلاري كلينتون في الأول من شهر نوفمبر الجاري بأنه يتعين على الولايات المتحدة سحب تأييدها للمجلس الوطني السوري، بل وقفت الولايات المتحدة بقوة وراء الفكرة القائلة بتوسيع المعارضة السورية لتضم أطيافاً أخرى تحت مظلة أشمل وأوسع من مظلة المجلس الوطني، مع اقتراح مبدئي بتشكيل قيادة سياسية تضم خمسين عضواً من مختلف الفصائل المعارضة. والحقيقة أن مبادرة هيلاري لخلق هيئة معارضة عابرة للطوائف للتعامل مع سوريا ما بعد الأسد، أمر ينبغي الترحيب به، فالعديد من السوريين ليسوا مع بقاء الأسد، لكنهم متحفظون لتخوفهم مما سيحمله المستقبل، لذا يأتي الانخراط الأميركي في شكل مبادرة جديدة تهدف إلى توحيد صفوف المعارضة وبلورة رؤية واضحة لما بعد الأسد لإعطاء دفعة جديدة للشعب السوري بعدما كاد يفقد الأمل في إمكانية التدخل الدولي لصالح قضيته العادلة، أو لتسريع تخلصه من نظام عانى ظلمه وجبروته طويلاً. وعن هذه النقطة تحدث هيج إلى مجلس العموم البريطاني مطلع نوفمبر قائلاً عن المعارضة السورية "إنها تحتاج إلى برنامج متماسك لمرحلة انتقالية، ومن المهم بذل كل جهد ممكن لكسب الرأي العام السوري بمن في ذلك الأقليات والمسيحيون وطبقة التجار، لأن هؤلاء في حاجة لمعرفة ماذا ينتظرهم بعد رحيل الأسد، وكيف ستكون سوريا في المرحلة المقبلة". وفي هذا السياق ينظر الغرب الذي تقوده أميركا إلى دول الجامعة العربية، وبخاصة السعودية وقطر، لتطوير المعارضة السورية وإحداث النقلة النوعية في صوفوها من خلال المؤتمر الذي عقد مؤخراً في الدوحة ودام عدة أيام. وشخصياً أحبذ فكرة الحكومة الانتقالية في المنفى لتضم وزراء كل واحد منهم مسؤول عن قضية بعينها على أن يتولى السوريون بأنفسهم اختيار من يمثلهم في هذه الحكومة ومن يترأسها، بعيداً عن تدخل القوى الخارجية، سواء الإقليمية أو الدولية، كما أن رئيس الحكومة البريطانية، كامرون، عاد لتوه من زياره للشرق الأوسط استمرت ثلاثة أيام أوضح فيها أن ما تم من عمل لدعم الثورة السورية خلال ثمانية عشر شهراً الماضية لم يكن كافياً، وذلك في إشارة واضحة إلى ضرورة الانتقال نحو مرحلة أخرى من العمل تبدأ بتوحيد المعارضة فعلياً وليس فقط في الخطاب، والرقي بها إلى هيئة تمثل جميع الأطياف وتحظى بمساندة ميدانية داخل سوريا، لذا تحدّث كاميرون عن احتمال توفير مخرج آمن للأسد، كما تطرق إلى إمكانية إقامة مناطق آمنة داخل سوريا تحت الحماية الدولية تقي السوريين من القصف الجوي، وربما في مرحلة لاحقة إمداد المعارضة بالسلاح لمواجهة قوات النظام. ولا ننسى أن مخاوف القوى الغربية من تصاعد العنف وإزهاق المزيد من الأرواح، بالإضافة إلى تغلغل بعض الأطراف الإسلامية المتشددة في صفوف الثوار، كل ذلك سرّع من المبادرة الغربية لتوحيد المعارضة التي تكللت في 11 نوفمبر الجاري بالتوقيع على اتفاق لتشكيل هيئة جديدة للمعارضة تضم أطيافاً متنوعة من النشطاء، سواء داخل سوريا أو خارجها، بهدف إعداد البلاد لمرحلة ما بعد الأسد.