مازال الكثير من الغموض يحيط بحكم حركات الإسلام السياسي، فالبعض يرى فيه تراجعاً وانهياراً للدولة المدنية، والبعض الآخر يراه تعبيراً عن طبيعة التركيبة الاجتماعية في البلاد العربية. قد يضيع الوقت في استمرار الجدل حول الإسلام السياسي، خاصة في ظل وجود موروث ثقافي معاد للحركات الإسلامية، والحال نفسه بالنسبة لما تحمله هذه الحركات حيال القوى السياسية المختلفة فكرياً والتي توصف بالعلمانية، فالثقافة هي ما يحكم منطق الفكر والسلوك، ومعظم الدول العربية مازالت تعيش تحت حصار الثقافة الأحادية المستبدة، وهذا ما يدعونا للتفكير جدياً في كيفية الخروج من المأزق الاجتماعي. هناك وجهات نظر مختلفة في فهم التحول نحو الإسلام السياسي، ودون الدخول في التفاصيل، نشير إلى بعض القضايا المحورية في الوضع الحالي، فالإسلام السياسي ممثلاً بجماعة "الإخوان المسلمين" هي الأكثر تنظيماً في الوقت الحالي. لكن لنتذكر خطاب البنا الذي سمّاه "مطالب الخمسين"، وطالب فيه بالرجوع للشريعة في المجال السياسي والاقتصادي والاجتماعي، كما رفض التحزب خارج إطار الإسلام، مما يثير الكثير من الريبة حول مفاهيمه ومدى انسجامها مع منطق العصر. حركات الإسلام السياسي هي من أكثر الحركات براجماتية وبكل تأكيد فإن أي حركة سياسية لها مضمون يحمل الأهداف، وفي حالة الحركات الإسلامية فإن تلك الأهداف تتمحور حول تأسيس الدولة الإسلامية، دون أن يكون من الواضح ما إذا كان الأمر يتعلق بدولة الخلافة أم بالدولة الوطنية في حدودها الجغرافية القائمة، وما هي طبيعة الانتقال من هذه إلى تلك، وآليات ذلك الانتقال. واليوم لدينا نموذج الدولة الدينية الشيعية في إيران، والنموذج السني في تركيا المتحرر من ملابسات الدعوة الإسلامية بطريقتها العربية، حيث النموذج التركي هو المجسد للدولة المدنية، لكن تأثيره محدود في تغيير الأطروحات الشرعية. وهنا يبدو من المهم فهْم التحولات الحالية في مصر، كونها تحتضن الأزهر الذي يعد موطن جزء كبير من التراث والعراقة المؤسسية في علوم الشرع، مما قد يُعين على تحديث المفاهيم الإسلامية للتوائم مع العصرنة كما يراهن عليها الغرب، وهذا ما يفسر طروحات جماعة "راند" الأميركية التي تحذر من تجاهل الإسلام في عملية الإصلاح والتغيير. ولعلنا نتذكر التطمينات، سواء في مصر أو المغرب أو تونس، من قبل الحركات الإسلامية، إلا أنها لن تدخل في مواجهة مع الغرب أو القوى المدنية المحلية. وقد أصبح جلياً أن قوى الإسلام السياسي أمام تحديات كبيرة، وهي تدرك أن شعار "الإسلام هو الحل"، لا يفيد في تسوية الاختلالات الهيكلية في اقتصادات دول مثل المغرب ومصر، وأن الشعارات الفضفاضة لا تقدم حلولاً سحرية وبالتالي فلابد من العمل وفق رؤية مرنة، مما قد يدفع نحو تقديم فتاوى جديدة تبرر السياحة و عملية السلام مع إسرائيل التي تمثل اختباراً حقيقياً آخر لـ"الإسلام السياسي" المتعطش للحكم والمستعد لكسب الرهان الغربي.