أكتب هذا المقال من العاصمة الأميركية واشنطن... بعد أن شهدت وعلقت في ليلة طويلة على نتائج الانتخابات لتلفزيون الكويت... وقد تابعت عن كثب الأيام الأخيرة من حملة الرئاسة الأميركية، وعايشت الحماس والاندماج والانغماس في أكثر الانتخابات ندية وتكلفة وإنهاكاً! ومرة أخرى صنع أوباما نصراً كبيراً وفاز بأكثر الانتخابات الرئاسية الأميركية مرارة وانزلاقاً نحو التجريح وارتفاع سقف النقد والتكلفة المالية التي تجاوزت 2,6 مليار دولار... وكما علقنا مراراً في هذه الصفحة فإن انتخابات الرئاسة الأميركية هذه تبقى هي الأكثر تعقيداً والأكثر طولًا (17 شهراً) منذ أن أعلن رومني عزمه الترشح... وقطع ملايين الأميال في السفر والتنقل في طول أميركا وعرضها. ويشمل ذلك المواجهات والدعايات المدفوعة الثمن والمناظرات والمواجهات وحملات النقد والتجريح الشخصي للحصول على أصوات الناخبين الأميركيين، بين من ينتمون للحزب الجمهوري أو الحزب الديمقراطي، هذا مروراً بالصراع على المستقلين الذين يشكلون حوالي ثلث الجسم الانتخابي الأميركي. وهناك أسباب عديدة لفوز الرئيس الأميركي والديمقراطيين في الكونجرس على حساب منافس الرئيس، رومني وحزبه الجمهوري. ولم يكن السبب الوحيد كما يخيل إلى كثيرين مجرد خيار بين مرشحين حول قضايا جوهرية وحاسمة تتعلق بالشؤون المالية والاقتصادية والوظائف والضرائب. وإن كانت المواقف من تلك القضايا لعبت دوراً مهماً في النتيجة النهائية على كل حال. ولكن كانت هناك قضايا ومؤشرات أخرى مهمة ساهمت أيضاً في ترجيح كفة أوباما وحزبه الديمقراطي، على منافسه رومني وحزبه الجمهوري، في انتخابات غابت عنها القضايا الأمنية والشؤون الخارجية وطغى عليها الوضع الاقتصادي الصعب وقضايا البطالة والتوظيف والضرائب والهموم الاجتماعية وحقوق المرأة والأقليات في مجتمع يصارع بين قطب المحافظة الذي يمثله الجمهوريون وقطب الانفتاح والتحرر الذي يمثله الديمقراطيون. وهناك واقع جديد هو التغير الكبير في الديموغرافيا الأميركية. حيث يتوقع أن تتحول الأغلبية البيضاء في الولايات المتحدة قبل حلول عام 2050 إلى أقلية، إذ انخفضت في كل الانتخابات نسبة البيض لتصل اليوم إلى حوالي 75 في المئة ومما رجح كفة أوباما أن أكثر من 90 في المئة من السود الذين يشكلون 10 في المئة من نسبة الشعب الأميركي، صوتوا له. بينما صوت 71 في المئة من الأميركيين من الأصول اللاتينية، الذين يشكلون 13 في المئة من تعداد الشعب الأميركي لأوباما أيضاً كما صوتت له أغلبية العرب والمسلمين الأميركيين، والسبب في ذلك أن طرح الجمهوريين ومرشحهم "رومني" فيه كثير من الإقصاء والفوقية، ويخيف وينفر الأقليات بسبب عدم تسامحه وشموليته، وتحول حزبه إلى ما يشبه حزب الرجل الأبيض المتقوقع والمنفر للأقليات... وهذه الأسباب ساهمت بشكل فعال في هزيمة "رومني" وخسارة الجمهوريين لمقاعد في مجلسي الشيوخ والنواب. ومن الواضح جداً أن هناك تبايناً كبيراً بين الحزبين الرئيسيين في الولايات المتحدة، من حيث الإيديولوجية والتوجهات والمبادئ الاقتصادية والاجتماعية، وخاصة حول قضايا حجم ودور الحكومة في الحياة السياسية والاجتماعية. وكذلك فيما يتعلق بالمرأة وحقها في الإجهاض إذا أرادت. وعدم تقييد حريتها. وخاصة أن المرأة الأميركية كناخبة تشكل أغلبية كبيرة تصل إلى 53 في المئة من الناخبين. وكذلك عدم تدخل الحكومة في حق المواطن الأميركي بالزواج ممن يريد، وحتى في السماح له بالزواج المثلي ضمن الجنس الواحد (حيث تم إقراره في استفتاء شعبي في ولايتي ماريلاند وماين). وكذلك السماح بتدخين الحشيشة والماريجوانا للترفيه! الذي أقر في استفتاء شعبي في ولايتي كولورادو وواشنطن. فيما رفض الاستفتاء في ولاية أوريغون. وهناك بُعد آخر... هو نظر الأقليات الأميركية وخاصة السود والأقلية من الأصول اللاتينية -وهي الأقلية الأكثر نمواً في المجتمع الأميركي- والعرب والمسلمين الأميركيين، والأميركيين من أصول آسيوية، نظرة سلبية إلى توجهات الجمهوريين. وقد ساهم ذلك في خسارة الحزب الجمهوري ليس فقط للرئاسة للمرة الثانية على التوالي، ولكن أدت أيضاً إلى خسارة مقعدين على الأقل في مجلس الشيوخ وثمانية مقاعد في مجلس النواب. ومن الواضح أن تلك الأسباب لعبت دوراً ملموساً في خسارة الجمهوريين ومرشحهم رومني. وساهمت في فوز أوباما وزيادة عدد النواب وأعضاء مجلس الشيوخ الديمقراطيين في الكونجرس الجديد. وفي عام 2008 حين فاز المرشح الديمقراطي أوباما برئاسة الولايات المتحدة في انتخابات مثيرة أيضاً تكشفت عن انتصار تاريخي، إلا أن كل ذلك لم يغير الكثير من واقع الشلل السياسي في واشنطن... ولذلك فإن أوباما يريد الآن أيضاً أن يوحد الدولة والمجتمع المنقسم وينهي الاستقطاب السياسي الذي يقسم الأميركيين إلى مناطق وأقاليم، بل لقد وصل حتى داخل الولاية الواحدة نفسها! والراهن أن الحزب الجمهوري... حزب ريجان وبوش الأب والابن، خسر خلال أربعة أعوام معركة الرئاسة مرتين، ففي عام 2008 خسر السيناتور جون ماكين في مواجهة مرشح ونجم صاعد من الحزب الديمقراطي، باسم غريب وخلفية غير معتادة في مجال العمل السياسي الأميركي، هو باراك حسين أوباما، ذو الأب الكيني الأسود والأم الأميركية البيضاء. وقد شكل ذلك الحدث التاريخي اختراقاً كبيراً في المفهوم السياسي والاجتماعي الأميركي. وفي عام 2012 خسر الحزب الجمهوري مرة ثانية أيضاً لصالح أوباما على رغم سوء الوضع الاقتصادي. ولذلك فإن المطالبات اليوم في أوساط الحزب الجمهوري تتمحور حول ضرورة معرفة أسباب الخسارة والتراجع في حظوظ مرشحيهم، وتغيير خطابهم ونظرة الأميركيين للحزب وخاصة المرأة والأقليات. وكذلك ضرورة العمل لتوحيد صفوفهم! وبعد فوزه التاريخي... يعود أوباما ليصنع التاريخ مجدداً... فهو أول رئيس غير أبيض يفوز برئاسة الدولة الأقوى في العالم، وأول رئيس غير أبيض يعاد انتخابه! وأول ديمقراطي منذ عهد بيل كلينتون في عام 1996 يُعاد انتخابه... وأول رئيس منذ فرانكلين روزفلت في الثلاثينيات من القرن الماضي يفوز بالرئاسة والوضع الاقتصادي في الولايات المتحدة يعاني من أزمة مالية حادة ونسبة البطالة تقترب من 8 في المئة والنظام السياسي منقسم والعلاقة متأزمة بين البيت الأبيض الديمقراطي ومجلس النواب الجمهوري. والحال أن نتائج الانتخابات التي تشمل انتخابات الرئاسة ومجلس النواب وثلث أعضاء مجلس الشيوخ وحكام بعض الولايات، كانت تاريخية وصبت عموماً في صالح الحزب الديمقراطي بامتياز... وقد عزز الديمقراطيون أعدادهم في مجلسي النواب والشيوخ، وأوصلوا أكبر عدد من النساء لمجلس الشيوخ (19 امرأة وهو رقم قياسي). واليوم هناك نقاش جدي في أميركا حول التغير الديموغرافي في الولايات المتحدة، ومستقبل الحزب الجمهوري، ودور الأقليات والمرأة، هذا بالإضافة إلى القضايا الملحة التي تفرض نفسها على القادة والشعب معاً... وقد فاز أوباما ولكن لم يتغير الكثير في الاحتقان السياسي وانسداد الأفق والمواجهات المفتوحة بين البيت الأبيض والحزب الجمهوري... ومع أن انتصار أوباما مستحق إلا أنه سيواجه تحديات كبيرة في الداخل الأميركي، وعلى المسرح الدولي الذي ينتظر منه التعامل مع كثير من الاستحقاقات المؤجلة.