لم تشكل انتخابات نوفمبر 2012 نصراً هاماً للرئيس أوباما فحسب وإنما لليبرالية أيضاً. فقد بنى أوباما حملته على حقوق الإجهاض وزيادة الضرائب على الأغنياء، فكوفئ على ذلك من قبل كتلة ناخبة أصغر سناً وأكثر تأييداً لحرية الاختيار وأكثر تنوعاً عرقياً مقارنة مع 2008. وبالتالي، فائتلاف أوباما ليس ضربة حظ وإنما يمثل قوة حقيقية. غير أن رد فعل بعض المحافظين كان على طريقة الكاتب الروماني شيشرون: "آه الزمن! العادات!". وهكذا، ذهب روش ليمبو إلى القول: "لقد ضاعت منا البلاد" التي وصفها بأنها باتت "بلد أطفال". وقالت آن كاونتر: "لم يعد هناك أمل". أما بيل أوريلي، فقال: "إنها لم تعد أميركا التقليدية بعد اليوم". والحال أنه من الناحية الاستراتيجية، لا يجدر التعبير عن الازدراء تجاه كتلة ناخبة يأمل المرء في التأثير فيها مستقبلاً. كما أن اليأس أيضاً يعتبر رد فعل مبالغاً فيه. فالمحافظون لم يشهدوا خراب روما، وإنما شهدوا خيبة توقعاتهم حيث رأوا تغيرات سكانية لا تصب في مصلحتهم سياسياً، تحدث بسرعة أكبر؛ ورأوا الناخبين الشباب يصبحون أكثر ليبرالية بخصوص بعض المواضيع الاجتماعية. هذه التغيرات تدعو إلى تقليد محافظ آخر أكثر تفاؤلاً: تقليد السياسي البريطاني إدموند بورك الذي كان يعتبر التغير الاجتماعي من الثوابت، والهدف هو تسهيل مرور بلد من التغيير مع الحفاظ على ما هو أقوى في تقاليده. فقد كان بورك يشدد على أن الحاضر أفضل من الماضي وأن المستقبل يمكن أن يكون أحسن من ذلك إذا كان التغيير مترسخاً في الطابع الرئيسي لمجتمع ما. كما كان يعتقد أن السياسة ينبغي أن تناسب ظروف المجتمع الحقيقية، وليس نسخة مثالية عنها. والواقع أن هذه هي مهمة المحافظين خلال السنوات المقبلة: ليس الاستمرار في تبني أيديولوجية متصلبة وإنما إعادة بناء جاذبية سياسية وفق قواعد محسنة تقوم على مبادئ. والأكيد أن هناك حاجة إلى أن يشمل جزء من العمل التحضيري دورَ الحكومة. فرومني كان لديه مخطط مؤلف من خمسة أجزاء يروم تشجيع خلق الوظائف، لكن كانت تعوزه فلسفة عامة تشرح دور الحكومة الصحيح في تلبية الاحتياجات الإنسانية. ولذلك، لم تسمع نساء الضواحي في خطابه شيئاً حول تحسين التعليم العام، ولم تسمع النساء العازبات شيئاً عن كفاحهن ومعاناتهن، باستثناء الانتقادات الجمهورية المنفرة لقسائم الطعام. كما لم يسمع العمال في ولاية أوهايو شيئاً حول التحديات التي تواجه المناطق الصناعية الآخذة في التراجع. ومن جانبهم، لم يسمع اللاتين شيئاً حول تشجيع تكافؤ الفرص والصعود الاقتصادي. ولذلك، فإنه سيتعين على المحافظين أن يحددوا دوراً للحكومة التي تستجيب للاحتياجات الإنسانية بطرق فعالة. فالأميركيون يخافون من الدين العام، ويستاؤون من البيروقراطيات التي تتطفل على حياتهم وتقتحم خصوصيتهم، لكنهم لا يكرهون الحكومة. المحافظون يواجهون أيضاً تحديات حول مواضيع الهوية الوطنية. فاليمين سيظل يرمز دائماً إلى الوطنية وحب الوطن؛ غير أنه خلال الانتخابات التمهيدية الجمهورية، تم التعبير عن هذه الالتزامات باعتبارها إقصاءً وإبعاداً للأجانب. والأكيد أن النبرة كانت قبيحة، غير أنه إلى جانب الاعتراضات الأخلاقية، فإن هذه المقاربة غير قابلة للاستمرار سياسياً. لقد فاز رومني بأكبر نسبة مئوية من أصوات الناخبين البيض مقارنة بأي مرشح جمهوري منذ 1988؛ كما فاز بأصوات المستقلين والمواطنين من كبار السن. غير أن ذلك لم يكن كافياً. والأكيد أن الجمهوريين لن يستطيعوا الفوز بالانتخابات المقبلة في ظل 27 في المئة من دعم اللاتين، وهي النتيجة المخيبة التي حققها رومني في الانتخابات الأخيرة. ثم إن الجمهوريين لن يزيدوا ذلك الدعم إذا ظلوا يفضلون مقاربة "الترحيل الذاتي". إن البديل هو رؤية لهوية أميركية تستمد قوتها من القوة الإدماجية للمثل الأميركية. وهو ما من شأنه أن يدفع الجمهوريين إلى تأييد قانون تعليم ورعاية أبناء المهاجرين الأجانب ودعم طريق قانوني صارم نحو الحصول على الجنسية بالنسبة للعمال غير الشرعيين الموجودين في البلاد. ومما لا شك فيه أن تأقلم الجمهوريين مع الاتجاهات الثقافية الجديدة سيكون صعباً، غير أن النبرة التي أخذ يتبناها معظم الجمهوريين بخصوص المواضيع الثقافية عموماً قد تغيرت بشكل معتبر خلال السنوات القليلة الماضية. فمثلاً أضحت الحركة المناهضة للإجهاض أكثر واقعية، والمعارضة الجمهورية لزواج المثليين أخذت تتراجع تدريجياً. لقد كانت حملة رومني الانتخابية أشبه بماكينة ضخمة ذات جزء واحد متحرك: شقها الاقتصادي. ولذا فإنه سيتعين على الحملة الجمهورية المقبلة أن تكون قادرة على تبني تعديلات معقدة على صعيد أيديولوجيتها وسياساتها وخطابها. كما ستحتاج إلى شيء آخر إضافي: مرشح لديه رغبة مبتكرة وحقيقية لإدماج واستيعاب الجميع. مايكل جيرسون محلل سياسي أميركي ينشر بترتيب خاص مع خدمة "واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس"