يبرز الآن في الواقع العربي سؤال: أيهما أفضل لإبقاء النظام السياسي وللدفاع عن مصالح الشعوب في آن واحد، التحالف مع الخارج أم التحالف مع الداخل؟ ويتوجه السؤال أولًا للحكومات، أيهما أقرب إليها، وأشد لأزرها وأبقى لحكمها، التحالف مع الخارج أم التحالف مع الداخل؟ فالتحالف مع الداخل أولى وأقوى لنظام الحكم، والتحالف مع الخارج أخطر، فإذا ما تخلى الخارج عن النظام التابع لأنه أصبح عبئاً عليه، لا يقوى على تقديم الخدمات له، وبدأ النظام في الاهتزاز تحت وطأة المعارضة والهبّات الشعبية تخلى عنه كما تتخلى أميركا عن حلفائها بعد استخدامهم مثل "ديم" في فيتنام الجنوبية لحظة انهيار النظام في سايجون، وشاه إيران الذي لم يجد قطعة من الأرض تأويه حياً يعيش عليها أو ميتاً يدفن فيها. والأجنبي لا يهتم بنظام الحكم في نفسه بل بوظيفته وأدائه وقدرته على تنفيذ ما يطلب منه. والتاريخ شاهد على ذلك فقد تخلى الإنجليز عن الملك فاروق بعد الثورة في 1952 في مصر، وتخلى الفرنسيون عن الجلاوي في المغرب بعد رجوع الملك محمد الخامس من المنفى، وتخلى الأميركيون عن ملك برقة وطرابلس بعد سقوط نظام حكمه في 1969. والتحالف مع الخارج على حساب التحالف مع الداخل خطأ في قانون الهوية، لأن الأنا هي الأنا قبل أن تكون غيرها أي الآخر. الهوية مع الذات تسبق الاختلاف مع الآخر. فالعرب هم العرب أولاً قبل أن يكونوا مع أميركا أو ضدها. فالهوية تسبق الاختلاف، هو قلب للموازين ولطبائع الأشياء نبهت عليه الديانات السماوية والشرائع الإنسانية والقيم الخلقية والبداهات العقلية مثل "اعرف نفسك بنفسك" عند سقراط، "وفي أنفسكم أفلا تبصرون"، و"أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم" في القرآن الكريم، وكما قال المسيح "اقتلع القشة من عينك قبل أن تطلب قلعها من عين أخيك". فالأنا قبل الآخر، والهوية قبل الاختلاف. وكما قال الشاعر: نعيب زماننا والعيب فينا … وما لزماننا عيب سوانا متى إذن يتم التحالف مع الداخل قبل التحالف مع الخارج؟ متى تعود الأمور إلى طبيعتها، ويعود إلى العرب التوازن بين أحلاف الداخل وأحلاف الخارج؟ يحدث ذلك عندما يأتي نظام الحكم بيعة من الناس واختياراً منهم. عندما يشعر الناس بأن هذا النظام منهم ويعمل لصالحهم ويدافع عن أوطانهم ويساوي بين الناس أمام القانون. هو النظام الديمقراطي والنظام الشعبي الجماهيري الدستوري الذي ما زالت الحركات الوطنية في مصر تطالب به باسم المجتمع المدني مرة، وباسم حقوق الإنسان مرة أخرى، دفاعاً عن حرية الفرد وديمقراطية الحكم والتعددية السياسية وتداول السلطة. هو النظام الذي يحرص على حريات الأفراد، "من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً"، ويدافع عن حقوق الشعوب في الاستقلال وحق تقرير المصير كما قررت الشرائع السماوية والمواثيق الدولية. إن التحالف مع الداخل قبل التحالف مع الخارج يتطلب الثقة بالنفس ومعرفة إمكانياتها والعمل على حشد طاقاتها دون إعطاء النفس أقل مما تستحق وإعطاء الآخر أكثر مما يستحق. لا يتطلب نظرة دونية للنفس ولا تصوراً تعظيمياً للآخر. فالأنا ما زال صامداً في التاريخ منذ الغزوات الصليبية والاستعمارية الحديثة من الغرب والهجمات المغولية التتارية من الشرق. ما زال حياً مملوءاً بالقلق تجاه الحاضر والخوف من المستقبل، يثير التساؤلات حول الماضي والمصير. وهو ليس الأنا الفردي المنعزل الوحيد كالقنفذ المختفي عن أعين الآخرين. بل هو الأنا الجغرافي التاريخي الحضاري. هو الأنا الممتد بلا حدود جغرافية من صنع الاستعمار الغربي بعد سقوط دولة الخلافة وتقطيعها إلى أشلاء وتوزيعها على القوى الغربية المنتصرة. وتحررت الأجزاء في أشكال دول وطنية. استقلت عن المستعمر الأجنبي ولكنها حتى الآن لم تعد إلى وحدتها الأولى التي خرجت منها. ومن هنا أتت أهمية التعاون الإقليمي، والاعتماد المتبادل بين دول الجوار. والأقربون أولى بالشفعة. فالأنا بلا حدود. حدودها مفتوحة جغرافياً في المكان وممتدة تاريخياً في الزمان. لا فرق بين الأنا القُطري والأنا العربي والأنا الإسلامي، دوائر متداخلة تشترك في نفس المركز، الوجدان المشترك، التاريخ المشترك، الثقافة المشتركة والمصالح المشتركة. يمثل الأنا موقعاً جغرافياً وتاريخياً وبشرياً في منطقة واحدة عرفت الانتقال والحركة عبر المصاهرة بعد الفتوحات الأولى. وفي الثقافة توحد بين البشر في الأهداف وإن اختلفت الأقوام في اللغات والمناهج والشرائع وأساليب الحياة والعادات والتقاليد والأعراق. وليس من الصعوبة بمكان، وليس من المستبعد أيضاً أن يحدث التوازن بين التحالف مع الخارج والتحالف مع الداخل بعد أن تعطى الأولوية أولاً للتحالف مع الداخل قبل التحالف مع الخارج حتى يعود التوازن طبقاً لقانون الفعل ورد الفعل وطبقاً لقانون الجدل بين الموضوع ونقيض الموضوع ومركب الموضوع. وقد حدث ذلك من قبل في تاريخنا الحديث عندما أمم عبدالناصر قناة السويس في 1956 فتحول من عسكري ديكتاتور صغير، وزيراً للداخلية في أزمة مارس 1954، مطلقاً النار على مظاهرات الطلاب التي كانت تنادي بالديمقراطية وبعودة الجيش إلى الثكنات إلى زعيم وطني رائد لحركات التحرر في العالم الثالث كله بعد أن رأى تحكم الأجنبي وفرضه الدخول في حلف بغداد ورفضه تمويل السد العالي. قد ينشأ جيل جديد قادر على حماية الوطن والدفاع عن كرامته واستقلاله، يعيد الحلم المجهض ويسترد الأمل الضائع في الخمسينيات والستينيات. فالعرب في حاجة إلى حركة تحرر وطني ثانية في هذا العقد من الزمان تكمل حركة التحرر الوطني الأولى. وقد تندلع هبات شعبية مستديمة وليست وقتية مثل الانتفاضة الشعبية في يناير 1977، وتحرك الأمن المركزي في يناير 1986. فقد بلغ السيل الزبى، والكل يرى مذابح الفلسطينيين كل يوم وتدمير المنازل وتجريف الأراضي وتصفية النشطاء، والعدوان المبيت على العراق وبؤس شعبه ويتم أطفاله بعد حصار إثني عشر عاماً دون سند شرعي من قانون دولي، وقد استطاعت الثورات الشعبية القضاء على حكم ماركوس في الفليبين، وسوهارتو في إندونيسيا. وقد يستيقظ زعيم عربي كما استيقظ المهلهل بن أبي ربيعة بعد مقتل أخيه كليب، ونتحول من حال الرضا بالحال إلى الشوق إلى التحديث والتطوير. ما بين غمضة عين وانتباهتها... يغير الله من حال إلى حال ونحن نعيش في ثقافة ما زال يرسخ فيها الزعيم والمنقذ والبطل والمخلص وابن البلد و"الفتوة"، وكلما اشتد الضنك قوي الحلم بالخلاص. والكل يتساءل أين خلفاء أحمس وصلاح الدين ومحمد علي وعبدالناصر؟ "وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيباً".