لم تكن الحملة الانتخابية الأميركية الأخيرة التي انتهت أول من أمس بإعادة انتخاب الرئيس أوباما لولاية رئاسية ثانية، مجرد حملة داخلية أميركية، بل تحولت مع مرور الوقت إلى حدث سياسي دولي، إذ شهد العالم الخارجي، وفي مقدمته أوروبا، ما يشبه الحملة الإعلامية الموازية، المؤيدة لأوباما، أو لرومني، أو الساعية، على الأقل إلى فك بعض شيفرات وطلاسم المشهد السياسي الأميركي نفسه. وفي فرنسا تحديداً ظهر خلال السنة الجارية أكثر من عشرين كتاباً ذا صلة بالحملة الانتخابية الأميركية، توزعت بين التحليل السياسي لبنية وتحولات الحياة السياسية الأميركية الراهنة، أو تتبع السيَر الذاتية لكلا المرشحين. وبين السيرة والتحليل السياسي نشر في باريس كتاب "أوباما... الحروب والأسرار" للمؤلف الأميركي "ديفيد إي سانجر" الذي نشير هنا بشكل خاطف إلى بعض محتوياته، وقد صدر قبيل اقتراع السادس من نوفمبر بثلاثة أسابيع فقط، ما جعله يتجاوز بعض الفرضيات الخاطئة عن سيْر واتجاه الحملة الانتخابية، التي وقعت فيها بعض الكتب الصادرة في وقت مبكر من العام. ولكن قبل ذلك يتعين أن نقول أيضاً إن المؤلف "سانجر" بحكم مهنيته وتجربته الصحفية المديدة، كأحد خريجي جامعة هارفارد وكبير مراسلي "نيويورك تايمز" في البيت الأبيض، يعتبر أحد أعمق الصحفيين معرفة بخفايا وطوايا ودهاليز صنع القرار في البيت الأبيض، ولعله أراد لفت الانتباه إلى ذلك ابتداء في عنوان الكتاب الفرعي -وربما الحقيقي في الواقع- وهو: "كواليس البيت الأبيض"! وبين دفتي كتابه يتتبع الكاتب مواقف وسياسات وتوجهات أوباما السياسية ما قبل الرئاسة، وخصوصاً خلال السنوات الأربع الماضية التي أمضاها في البيت الأبيض، مبرزاً الكيفية التي تحول بها من سياسي ذي ميول شبه يسارية، ونزعة سلمية قوية، إلى زعيم تفرض عليه مسؤولياته على رأس القوة العظمى الوحيدة اتخاذ قرارات صعبة، وتبني سياسات قيصرية أحياناً، بما في ذلك خوض الأعمال الحربية، بشكل أكثر فعالية حتى من سلفه في المنصب بوش، المعروف بحروبه العارمة، وسياساته الدولية العنيفة الصاخبة. ومع ذلك يبرز "سانجر" ملامح التحول الكبير الذي أجراه أوباما في المسار العام للسياسة الخارجية الأميركية عموماً، وكيف تمكن بوسائل أخرى خلاقة من تحقيق ذات أهداف القوة والانفراد بالزعامة العالمية التي أشعل اليمين الأميركي الحروب لتحقيقها، وأدخل أميركا بذلك في دوامة التكاليف الباهظة والأزمات المالية. ويتغلغل "سانجر" بالقارئ في مفاصل بنية صنع القرار ومؤسساته في البيت الأبيض مبرزاً مراحل وآليات وكيفية اتخاذ أصعب القرارات في المكتب البيضاوي وفي لجان إدارة ومتابعة الأزمات، تحت إشراف الرئيس الذي يلعب دور المايسترو، والموجه، والمحدد لإيقاع وحجم وزخم كافة تحركات أميركا علي الساحة الدولية. ويستعرض خلال تتبعه لسياسات إدارة أوباما الأولى كيفية تعامله مع أبرز الأزمات الدولية الضاغطة، كلاً على حدة، ابتداء من خطته الذكية للانسحاب من المستنقع الأفغاني بطريقة آمنة، وقبل ذلك وفاؤه بتعهد استكمال الانسحاب من حرب العراق، وهما حربان كلفتا أميركا ثمناً باهظاً على المستويين الاقتصادي والسياسي، وجعلتا الرأي العام الأميركي يقلب ظهر المجن لليمين الجمهوري محملاً إياه المسؤولية عن كل تبعاتهما كاملة. كما يستعرض "سانجر" مراحل وتدابير اتخاذ قرار التخلص من بن لادن، وهي عملية يرى أنها لعبت دوراً كبيراً في خدمة موقف أوباما السياسي في نظر الرأي العام الداخلي، لأن الجمهور الأميركي العريض، من مختلف الاتجاهات والخلفيات، ظل متعطشاً بقوة لرؤية لحظة الخلاص من الرجل الذي دبر هجمات الحادي عشر من سبتمبر ضد أميركا، وهو تطلع عجزت إدارة بوش السابقة على رغم حروبها المتلاحقة عن تحقيقه، إذ ظل زعيم تنظيم "القاعدة" طليقاً في مخبئه طيلة سنوات إدارتي بوش. وكذلك يستعرض المؤلف أيضاً التحول الذي أحدثه أوباما في سياسة أميركا تجاه المنطقة العربية ودعمه للتحولات التي عرفتها دول شمال أفريقيا ضمن ما بات يسمى "الربيع العربي". وكذلك ظاهرة الحرب الرقمية ضد برنامج إيران النووي. ويتناول الكاتب أيضاً الجهود الأميركية في عهد أوباما الرامية إلى احتواء نزق وخطر كوريا الشمالية بأقل مستوى تصعيد ممكن وعدم الانجرار وراء استفزازات سياسة حافة الهاوية التي تتبعها بيونج يانج تجاه المجتمع الدولي. هذا طبعاً دون إغفال التنويه بذكاء وفعالية سياسة أوباما الرامية إلى إعادة ضبط العلاقة مع روسيا وبنائها على أسس جديدة تضمن تحييد أية أسباب تصعيد خطيرة بين الجانبين على خلفية افتراق مواقفهما إزاء مختلف الملفات والأزمات الدولية، وكذلك بسبب التجاذب المزمن بين موسكو وواشنطن حول مشروع الدرع الصاروخية الأميركية في أوروبا التي تعتبرها روسيا تحدياً استراتيجياً لها. حسن ولد المختار ------- الكتاب: أوباما... الحروب والأسرار المؤلف: ديفيد إي سانجر الناشر: بلين تاريخ النشر: 2012