بعد تحرر أميركا من الاستعمار البريطاني بدأ الداخل معركة الإعمار الذاتي في بناء دولة حديثة، وكان الفكر الحر من أسس البناء، ومع مرور الوقت اكتشفت الحكومة الأميركية أن تحت أقدامها تفوح رائحة فكر غريب لم تظهر مؤسساته على سطح المجتمع، وبعد البحث والتحري وجدت أن فكراً شيوعياً ضارباً في التطرف بنى تنظيماً سرياً وخلايا من حوله، وخططاً يراد من خلالها تقويض أركان الدولة الأميركية، فتحولت أميركا الحرة بكل ما تملك من طاقات إلى إدارة معركة ليست أقل شراسة من معركتها مع المستعمر القديم الذي زال دون أن يستعمر عقول الأميركان. ومن أخطر مراحل الفكر، عندما يتحول إلى عقيدة دولة، وهو ما كان عليه حال الاتحاد السوفييتي لقرابة سبعة عقود، الذي قاد شعوبه بالنار والحديد للدفاع عن عقيدة شيوعية، كان نتيجتها تناثر عِقد هذا الفكر أو هذه الأيديولوجية، ومع ذلك لم يصمد هذا الفكر، عندما خرج الناس من عبودية الأفكار وقيودها الصارمة إلى رحابة أفق الإنسانية من حولها وأدركت بأن العالم لا يدار بمثل هذه الأفكار السوداء، بل إن مساحة البياض فيه أكبر من ذلك بعد الخروج من عباءة الأيديولوجيا إلى السباحة في أعماق الوطن لإنقاذه منها، وفي هذا الطريق لم تنهزم ألمانيا النازية إلا بسبب مباشر من حملة الفكر النازي الذي ذهب ضحاياه قرابة ثلاثين مليون إنسان في الحرب العالمية الأولى والثانية. ولم ينقذ ألمانيا شيء من وهدة ذلك إلا بلمّ شمل شرقها مع غربها في وحدة لم تـُرق خلالها قطرة دم واحدة، وها هي ألمانيا اليوم تفتخر بأنها تسهم في إعادة بناء أوروبا التي أرادت في يوم ما حرقها بالكامل من أجل رغبة رجل آمن بفكر مدمِّر، فجاء الدور عليها لتحمل مسؤوليتها القارية الكبرى لإنقاذ أوروبا من أزمة الديون التي تغرق فيها بعض دول الاتحاد الأوروبي. فما يفت اليوم من عضد العالم العربي والإسلامي ويهدد دوله وحكوماته هو نمو فكر متطرف جعل من الإسلام البريء من كل ذلك، لبوساً له ومظلة يتقي بها نقد منتقديه ومخالفيه، ومنطلقاً ومرتكزاً يدافع به عن نفسه كلما أوغل أفراده وأتباعه في الأذى لمخالفيه. هذا الفكر لمن يقرأ التاريخ المعاصر بوعي وعقل رشيد، عندما وصل إلى أفغانستان بدعوى "الجهاد المقدس" ومحاربة الشيوعية في غزوها العسكري، هو الذي تفرغ لزرع الفتنة والقتل في صفوف الأفغان بعد دحر الاتحاد السوفييتي، فبدأت القبائل الأفغانية التي وقفت صفاً واحداً تجاه العدو الخارجي، في محاربة بعضها بعضاً بذات دعوى "الجهاد"، فبدأت الرؤوس "الإسلامية" تتساقط بأياد إسلامية، لا علاقة لها بالفكر الشيوعي الذي حكم أفغانستان حيناً من الدهر، حتى لم يعد شيئاً مذكوراً إلى هذه الساعة. فاعترف كبار القادة الأفغان الذين انتصروا على عدوهم الخارجي بجدارة بأنهم انهزموا في معركة البناء وتغيير أنفسهم من الداخل، والسبب الرئيسي من وراء كل ذلك، هو "شهوة الحكم" التي لم يُتمتع بها إلى اليوم، بل تحولت الساحة الأفغانية إلى مزرعة لأفكار أشد تطرفاً من سابقاتها ففرضت "القاعدة" التي حولت جزءاً من "جهادها" المزعوم تدمير معالم الحضارة الإنسانية في أميركا في البرجين المعروفين في كارثة الحادي عشر من سبتمبر 2001. وها نحن اليوم نرى امتداد هذا الفكر يخطط ويواصل الانتقال إلى مجتمعات أخرى لممارسة فعل التدمير لكل إنجازات الأوطان المستقرة والمسالمة، والتي تبحث لها عن موضع قدم متقدم بين الشعوب الراقية والحضارات الواقية من شره ومن شر الأفكار التي عنوانها الرئيسي التدمير لا التعمير.