عندما حدث التغيير في تونس ثم مصر، في يناير وفبراير 2011، أُثير سؤال مهم عما إذا كان نجاح انتفاضتين شعبيتين سلميتين خلال أيام قليلة بعد فشل الإرهاب الذي استخدم أبشع أساليب العنف على مدى سنوات طويلة، يعني بالضرورة نهاية تنظيم "القاعدة"؟ وكان هذا السؤال هو عنوان مقالة كاتب السطور (هل تحمل "القاعدة" إرهابها وترحل؟) المنشور في صفحات "وجهات نظر" يوم الخميس 7 أبريل 2011. وكان منطق السؤال، في تلك المقالة، هو أنه "إذا كانت الإطاحة بمبارك هدفاً قديماً حلم به أيمن الظواهري فقد فشل في تحقيقه، بينما نجح مصريون تحركوا بأساليب ديمقراطية تتعارض مع فكر (القاعدة) وبوسائل سلمية أبعد ما تكون عن عنفها". غير أن الرياح لم تأت بما تشتهيه سفينة التقدم في منطقتنا سيئة الحظ، وأطل الظواهري منتشياً هذه المرة بعد أن بدا مكتئباً منذ تسلمه قيادة "القاعدة" العام الماضي، ومحاولاً انتزاع زمام المبادرة مستغلاً حال الإحباط السائد في مصر وغيرها من البلاد التي تحول ربيعها إلى خريف، ولم يتحقق بالتالي الشرط الذي أنهى به كاتب السطور مقالة 7 أبريل 2011 وهو أنه "بمقدار ما تؤدي الثورات العربية إلى تحقيق الديمقراطية سيكون على (القاعدة) أن تحمل عصاها وترحل". فلم تشهد مصر، كما تونس وليبيا، ديمقراطية قابلة للاستقرار بل فوضى قابلة لإعادة إنتاج ديكتاتورية أكثر قسوة في ظل مرحلة انتقال مرتبكة وضعت السلطة بين أيدي قوى الإسلام السياسي التي لم تحسن استخدامها، خصوصاً في مصر التي تعتبر أكثر الدول الثلاث تأثيراً على مسار التطور في المنطقة. فقد تبدد، على الأقل في مصر، السيناريو الذي كان على "القاعدة" أن تحمل إرهابها وترحل في حالة تحققه، وهو بناء نظام ديمقراطي يضع أساساً سليماً للتقدم والازدهار من خلال شراكة وطنية تتعاون في ظلها مختلف الاتجاهات لحمل تركة ثقيلة ينوء بها كاهل أي منها منفرداً. ففي ظل هذا السيناريو، الذي أبعده ميل جماعة "الإخوان المسلمين" وحزبها إلى الانفراد بالسلطة، يقل الإحباط ويزداد الأمل في المستقبل، فلا يجد الظواهري وغيره من قادة "القاعدة" وأتباعها بيئة مواتية لتجنيد شباب غاضب استبد به اليأس. غير أن نشوة الظواهري الظاهرة في شريطيه الأخيرين لا تعود إلى تبدد السيناريو الأسوأ بالنسبة إليها فقط، بل ترجع أيضاً إلى اعتقاده في اقتراب السيناريو الأفضل لها، وهو عجز السلطة الجديدة في مصر عن بناء الثقة اللازمة للعمل من أجل حل المشاكل الهائلة المتراكمة والآخذة في التفاقم. ولكن أفضل ما في هذا السيناريو، بالنسبة للظواهري وتنظيمه، هو أن "الإخوان المسلمين" يُمسكون بالسلطة بدون شراكة وطنية، الأمر الذي يجعل صورة مصر اليوم مختلفة تماماً عن تلك التي استهدفها التغيير الذي فتحت انتفاضة شعبية سلمية الباب أمامه على نحو آثار السؤال عن مصير دعاة الإرهاب والعنف. فهذا سيناريو يتيح لـ"القاعدة" فرصةً أخرى ويجدد حلم الظواهري الذي أصبح بإمكانه القفز مجدداً إلى المشهد مستخدماً تكتيكاً مختلفاً. فقد مزج، في شريطيه الأحدث حتى الآن، بين محاولة القفز على الانتفاضة المحبطة وتزييف طابعها عبر دعوة المصريين إلى "مواصلة الثورة لفرض الشريعة الإسلامية"، وتجديد دعوته العنفية التقليدية عبر مطالبتهم وغيرهم من المسلمين بخطف أجانب ينتمون إلى دول غربية لمبادلتهم بمن أسماهم "أسرانا" وفي مقدمتهم الشيخ عبد الرحمن المحبوس في الولايات المتحدة. فقد وجد الظواهري في فشل انتفاضة 25 يناير فرصةً للقفز عليها ومحاولةً للإيحاء بأنه يريد أن ينصرها، ولكن بعد تغيير جذري في طابعها. فلم تكن الشريعة ضمن أهداف تلك الانتفاضة التي شارك فيها "إخوان مسلمون" وسلفيون سايروا الرغبة الشعبية وقتها في تغيير يعيد الحرية والكرامة وتحقيق العدالة. ولكن الظواهري يدعو الآن إلى "مواصلة" تلك الانتفاضة من أجل فرض الشريعة التي لم يشعر الملايين الذين نزلوا إلى ميادين مصر وشوارعها على مدى 18 يوماً (25 يناير -11 فبراير 2011) بأنهم يفتقدونها. فهم يعيشون بالشريعة في مختلف مناحي حياتهم. لكن انقضاض قوى الإسلام السياسي على المشهد السياسي الذي أعقب تنحي الرئيس السابق (مبارك)، وإقحامهم مسألة الشريعة فيه بلا مبرر أو مقتضى، بدءاً من تحويل الاستفتاء على التعديلات الدستورية في 19 مارس 2011 إلى خيار بين الجنة والنار، أعاد إنتاج الاستقطاب السياسي والأيديولوجي وساهم في إرباك مرحلة الانتقال وإحباط الانتفاضة الشعبية وخلق أجواء أتاحت وصول "الإخوان المسلمين" إلى السلطة. وليس هناك أفضل، بالنسبة للظواهري و"القاعدة"، من مواجهة "الإخوان" وقد باتوا في السلطة بدون استعداد كاف للمشاركة فيها ناهيك عن الإصرار على الانفراد بها. ويشعر من يتأمل جيداً خطاب الظواهري في شريطيه الأخيرين بأنه يجد في هذا التطور انعكاساً لإيمانه بإمكان حرق الراحل. فحكم "الإخوان"، بهذا المعنى، هو المرحلة الأخيرة قبل حكم "القاعدة". كما أن انفراد "الإخوان" بالسلطة يمكنَّه من المزاودة عليهم. فلا هم حققوا إنجازاً ينسجم مع أهداف انتفاضة 25 يناير ويحقق لهم تأييداً شعبياً يتجاوز تنظيمهم ويوفر لهم قدرة على مواجهة حملات الظواهري وغيره. ولا هم نفذوا برامجهم، أو بالأحرى شعاراتهم، بشأن تطبيق الشرعية ومواجهة أميركا وإسرائيل. ويحفل هذان الشريطان بالهجوم على حكم "الإخوان المسلمين" في مصر وأداء الرئيس مرسي، والتساؤل عن الشريعة التي لا تُطبق من وجهة نظر الظواهري، والجهاد الذي لا يُعلن لتحرير فلسطين، والتعاون الذي يتواصل مع أميركا وإسرائيل ضد من يعتبرهم "المجاهدين في سبيل الله". وليس هناك أسهل من المزاودة على سلطة مرتبطة بمعاهدة سلام وعلاقات ديبلوماسية مع إسرائيل بالمخالفة لتوجهات الجماعة التي أصرت على الانفراد بهذه السلطة. فالفرق كبير بين رئيس مصري لسلطة تقوم على "الشراكة الوطنية" وأخرى تستند على جماعة "الإخوان" عندما يبعث رسالة ودية إلى الرئيس الإسرائيلي. فما أيسر المزاودة على رئيس لسلطة الجماعة التي تتبنى موقفاً معادياً لإسرائيل حين يبعث مثل هذه الرسالة. وما أصعب موقفه في هذه الحالة حتى إذا كانت الرسالة محض بروتوكولية. وهكذا، لم يقصِّر الظواهري في استغلال فرصة نادرة أتاحتها له جماعة "الإخوان" في مصر عندما انفردت بالسلطة وأحدثت قطيعة مع انتفاضة 25 يناير وأهدافها. فما كان للظواهري أن يجد مثل هذه الفرصة لو أن "الإخوان" جزء من سلطة تقوم على شراكة وطنية، ولا يمكن بالتالي لمتطرفين دينياً المزاودة عليها. وما كان له أن يقفز على انتفاضة 25 يناير لو أن هذه السلطة تعبر عنها وتعمل لتحقيق أهدافها. وما كان له، قبل هذا وذاك، أن يطل أصلاً بهذه الطريقة لو أن أهداف انتفاضة 25 يناير بدأت في التحقق وثبت بشكل نهائي أن النضال السلمي هو الطريق إلى المستقبل وليس العنف، وانتهى بالتالي حلم الظواهري وزملائه وأتباعه.