نبّه العديد من الدراسات التي صدرت حديثاً والتي كان آخرها الدراسة الصادرة عن مؤسسة الخليج للاستثمار بالتعاون مع الأمانة العامة لدول مجلس التعاون إلى خطورة استفحال البطالة بين الخليجيين، التي بلغت 7 في المئة في المتوسط في دول المجلس العام الماضي، وبالأخص بين فئة الشباب الباحثين عن عمل، حيث تتجاوز نسبة البطالة بينهم النسبة المذكورة أعلاه. ومع أن هذه الدراسات وضعت دول المجلس في بوتقة واحدة، إلا أن أسباب وجود البطالة تتفاوت بين دولة وأخرى، علماً بأن هذا المعدل لا يزال ضمن المعدلات المقبولة عالمياً، فالبطالة في منطقة "اليورو" في العام الجاري 2012 بلغت 10,3 في المئة وفي الولايات المتحدة 8 في المئة تقريباً، إلا أن عدم معالجتها في دول المجلس سيؤدي إلى ارتفاعها مع ما قد يترتب على ذلك من عواقب يمكن تجنبها إذا ما وضعت الحلول المناسبة، وهي متاحة من وجهة نظرنا. والحقيقة أن دول المجلس تبذل جهوداً لا يستهان بها لحل إشكاليات البطالة، إلا أن هذه الجهود تصطدم بعقبات وبتضارب مصالح مكونات عناصر الإنتاج، في حين تقدم معظم دول المجلس إعانات بطالة تكلف ميزانية الدولة مبالغ يمكن استغلالها لدعم النمو وتوفير المزيد من فرص العمل من خلال إقامة مشاريع جديدة. وضمن التصنيفات الخاصة بالبطالة، فإن نوعية البطالة في سوق العمل في كل من الإمارات وقطر، هي بطالة تتعلق بهيكلية سوق العمل وليس بسبب عدم وجود وظائف للمواطنين في البلدين، فالعمالة الأجنبية تشكل أكثر من 80 في المئة وبالتالي، فإن توفير وظائف للمواطنين تبقى مسألة سهلة، إلا أن ذلك بحاجة لإعادة النظر في هيكلية الشواغر وإيجاد المزيد من الحوافز لجعل المواطنين أكثر إقبالاً وقبولاً لبعض الوظائف التي لا تزال حتى الآن لا تشكل عامل جذب للمواطنين، وذلك لأسباب عديدة يمكن معالجتها. وفي السعودية تتركز البطالة عند النساء بنسب أكبر، وهي ترتبط بإغلاق الكثير من القطاعات الرئيسية أمام عمل المرأة، مما يحد من توظيفها، وذلك على رغم مستوى التعليم المرتفع والمؤهلات التي تتمتع بها المرأة السعودية التي تشترك فيها مع المرأة الخليجية بشكل عام، كما أن الزيادة المفرطة للسكان تشكل أحد أهم أسباب ازدياد أعداد العاطلين في السعودية. أما في الكويت والبحرين فترتبط البطالة أساساً بغياب تنفيذ مشاريع تنموية كبيرة يمكن من خلالها توافر الكثير من فرص العمل، إذ إن آخر هذه المشاريع التي تم تنفيذها في هذين البلدين كان قبل أكثر من خمسة وعشرين عاماً، مما ساهم في تقليص فرص العمل، فبدون النمو الاقتصادي الحقيقي للقطاعات غير النفطية لا يمكن إيجاد حلول عملية للبطالة. وتشترك عُمان نسبياً مع كل من الكويت والبحرين، وذلك إذا ما استثنينا مصنع صحار للألمنيوم الذي أقيم بمشاركة إماراتية، إلا أن ما يزيد الأمور تعقيداً هناك هو الكثافة السكانية والاندماج الضعيف نسبياً في الاقتصاد الخليجي والدولي بشكل عام، مما يتطلب اتخاذ خطوات عملية لتقوية الروابط مع الاقتصادات الخارجية، وخصوصاً أن عُمان تملك مقومات قوية لمثل هذه الارتباطات بفضل موقعها المميز. وحتى الآن، فإن الحلول المتبعة في دول المجلس مجتمعة تتركز أساساً في إيجاد المزيد من فرص العمل في القطاع الحكومي المتشبع، حيث لا يملك مثل هذا الحل آفاقاً مستقبلية بسبب ارتباطه بعائدات النفط المرتفعة، علماً بأنه يشكل ضغوطاً كبيرة على موازنات هذه البلدان، في الوقت الذي لا يبدي فيه القطاع الخاص الخليجي التعاون المطلوب مع التوجهات الحكومية، وهو الذي يعول عليه لاستيعاب القوى العاملة المواطنة، إلا أنه يعاني حتى الآن من التردد فيما يتعلق بهذه القضية، في الوقت الذي تتطلب مصالحه إبداء تعاون أكبر للمساهمة في حل هذه المعضلة التي يمكن أن تلحق أضراراً بمصالحة في المستقبل، علماً بأنه بالإضافة إلى الفرص المحلية، فإن تكامل أسواق العمل في دول المجلس وفتحها أمام كافة المواطنين الخليجيين سيساهم مساهمة فعالة في التخفيف من حدة البطالة.