كثيراً ما تتهم التجارب الأفريقية بأنها الأكثر تعرضاً للاضطراب والاستبداد؛ مرتبطاً ذلك بالانقلابات والفساد، وعدم شرعية النظم... الخ. ورغم وجود الأمثلة على ذلك هنا وهنالك، لكن الخطير بالنسبة للوعي العام في بلادنا وطبيعة تكوين الثقافة السياسية عندنا، هو هذه "المطلقات" والتصور الكلي للقارة على هذا النحو، بما يوحي في كثير من أجهزة الإعلام على الجانب العربي أننا - في النهاية- أسعد حالاً! وحيث تثار هذه القضايا على الجانبين في هذه الأيام بشكل ملفت نتيجة تعرض أكثر من دولة عربية لمطالب التغيير أو تعرض دول أفريقية وأفريقية عربية للاضطراب فإني أقترح أن نعيد قراءة تاريخ الخريطة السياسية لأفريقيا بشكل مختلف، لعلمي أن حالات الانتظام السياسي واحترام الشرعية والدستورية في عدد كبير من الدول الأفريقية غير العربية تتفوق على حالة الجمود العربي بشكل ملحوظ؛ وذلك على مدى فترة ربع القرن الأخيرة على الأقل. لقد شاركت أفريقيا معظم دول العالم الثالث فيما سبق هذه الفترة - وعقب موجة الاستقلال- في مظاهر تتعلق بهيمنة الدول والتنظيم السياسي الواحد والمقولات والصياغات حول القطاع العام... الخ. وارتبط بذلك ما قيل عن سلطة الزعامة "الكاريزمية" وعن هيمنة الأيديولوجيات.... الخ، لكنها في أعقاب السبعينيات شهدت أوضاعاً اقتصادية واجتماعية جديدة، حملت شعار الليبرالية الاقتصادية نتيجة التسليم بشروط صندوق النقد والبنك الدوليين، وتحكم النظام الاقتصادي العالمي، بما طرح بالضرورة على معظم بلدان العالم الثالث؛ وبينها أفريقيا والعالم العربي، قضية التحرير السياسي والديمقراطية أيضاً. فكيف كانت النتيجة على المستوى الكلي الأفريقي، مقارنة بما شهده العالم العربي من جمود الأوضاع رغم التوسع في عملية الانفتاح الاقتصادي ووفرة الثروات المتدفقة أو التطورات الجذرية في البنية الطبقية والموالاة السياسية مع عالم الليبرالية نفسه؟
اختلفت ردود الفعل الأفريقية كثيراً في تقديري عن رد الفعل العربي بما يظل مجالاً للتأمل. وقد خضع الجميع لعملية القهر الاقتصادي ونتائجه في التدهور والعجز باستثناء البتروليين بالطبع، ومع ذلك تسجل معظم التقارير الاقتصادية أن أكثر من خمس عشرة دولة أفريقية أصبحت تدور بين معدل تنمية 5-7%، وهي نسبة، في عدد الدول أو النمو- تتفوق تلقائياً على الحالة العربية.
لكن موضوعي هنا يتعلق بالأوضاع السياسية التي كان ينتظر أن ترتبط بهذه الليبرالية الاقتصادية، ويصر القادة العرب على أنه لا صلة بين المجالين! وأول ما يرتبط بهذه الليبرالية الاقتصادية هو التعددية وإمكانية تداول السلطة مع تغيير الزعامات والحكومات وفق سياسة ديمقراطية متفق -أو مُتصارع- عليها. وعندما استعرضت الحياة السياسية في القارة الأفريقية غير العربية -كوحدة تحليل كلية، وجدت عدداً من الظواهر التي تتعلق مباشرة بتداول السلطة والقبول بالتغيير السلمي جديرة بالانتباه من أجل مستقبل أفضل:
أولاً، هناك ستة زعامات تاريخية، تنحى أربعة منهم من موقع الرئاسة بالتفكير الشخصي الهادئ في الموقف الداخلي واحتياجاته وهم "ليوبولد سنغور" في السنغال (1981) و"أحمدو أهيدجو" (1982) في الكاميرون- و"جوليوس نيريري" في تنزانيا (1985) و"مانديلا" في جنوب أفريقيا (1999).
كما قبل ثلاثة آخرون نتائج الضغط الشعبي من أجل التغيير، وفي انتخابات عامة مثل "كينيت كاوندا" في زامبيا (1991) و"هستنجز باندا" في مالاوي (1994). و"أراب موي" في كينيا (2002).
ثانياً، شهدت القارة خلال ربع القرن الأخير أيضاً ظاهرة تنحي قيادات عسكرية جاء بعضها في موجة الانقلابات العسكرية السابقة في القارة، لكنهم لم يستطيعوا مقاومة الحركة الشعبية التي فجرها فشل السياسات الاقتصادية القائمة، فقبلوا قرارات الحركة الشعبية بالتغيير أو أُزيحوا -سلمياً- في أجواء المظاهرات الشعبية نفسها على نحو ما حدث في بنين (1991) وتوجو (1991) ومالي (1992) وغانا (1992). بل ونال التغيير قيادات عسكرية كانت ذات ثقل شعبي نتيجة طرحها للبرامج أو تداولها لأفكار التطوير والتنمية، مثلما حدث في مدغشقر مع الرئيس "راتسيراكا" في (1992). ونفس الموقف هو الذي طال في إطار آخر وضع الرئيس "أوباسانجو" (نيجيريا) الذي عالج تأزم علاقات العسكريين من حوله وسوء إدارتهم للحياة السياسية أمام ضغط الأحزاب السياسية التقليدية، فانسحب من الحكم العسكري عام 1993 بل وأثبت في النهاية أن التغيير ليس مجرد التداول مع من لا يستحقونه من السياسيين التقليديين، فعاد لطرح نفسه مجدداً في انتخابات 1999 على رأس مجموعة سياسية جديدة ففاز في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في نيجيريا بل وبالمكانة الملحوظة التي يحتلها الآن على مستوى القارة.
وهنا تطرح أفريقيا بحق من خلال تجاربها رداً على الشكلية المحتملة التي يمكن أن تعالج بها فكرة التغيير السياسي أو تداول السلطة، لأن "السلطة" إذا ما "عادت" بالتداول لنفس الوجوه القديمة، على نحو ما طرحته في منطقتنا التجربة ال