منذ أيام قلائل صرح وزير الخارجية الأميركي "كولن باول" أمام لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ أن التحقيقات توصلت إلى أن "إبادة جماعية" ارتُكبت في "دارفور" في سياق تنفيذ سياسة "الأرض المحروقة ضد المتمردين والمدنيين" وأن تلك الجرائم "قد تكون مستمرة". وجاء إعلانه عن نتائج التحقيقات الأميركية قبيل بدء مجلس الأمن مناقشة مسودة قرار دولي صاغته الإدارة الأميركية يفرض عقوبات على السودان بما فيها فرض حظر على الصادرات النفطية وعلى الطيران العسكري ما لم تعمل الحكومة السودانية على وقف الجرائم في حق المدنيين في غرب البلاد.
أدلى باول بتصريحاته في التاسع من سبتمبر 2004، ودفعني القطع الذي تحدث به إلى أن أتذكر على الفور صورته الشهيرة في الخامس من فبراير 2003 وهو يمسك بيده أنبوباً ويتحدث بثقة عن دلائل امتلاك العراق أسلحة دمار شامل مستشهداً بأدلة وقرائن لا تقنع طفلاً. يومها رسم باول لوحة كاملة عن غابة أسلحة الدمار الشامل التي يمتلكها العراق. تحدث عن التقديرات "المتحفظة" لما يمتلكه العراق من مواد كيماوية والتي تراوحت بين 100 و500 طن، وأن هذه الكمية يمكن أن تعبئ نحو 16 ألف رأس حربية كيماوية، وأسهب في وصف التفاصيل الفنية للمقدرة العراقية على استخدامها وعلى التلاعب بأماكن إخفائها عن عيون المراقبين الدوليين.
بعد أقل من شهرين وقع العدوان الأميركي على العراق لتخليص العالم من شرور نظامه، وبعد شهور طويلة من احتلال دولة ذات سيادة دون سند من قانون دولي أو قرار لمجلس الأمن وقف "باول" في جامعة "برنستون" ليقول إن صدام حسين كانت لديه "النية" لامتلاك أسلحة دمار شامل وهو ما يبرر الغزو الأميركي للعراق. كانت المسألة تتعلق بالنوايا إذن وليس بمئات الأطنان من المواد الكيماوية المعدة للاستخدام بل والتي صدر القرار السياسي باستخدام صدام حسين لها بالفعل.
كتبت يومها في هذه الصفحة عن المعنى الخطير لاتخاذ قرار يتعلق بالحرب من قبل دولة عظمى اعتماداً على معلومات خاطئة "إن كان رجال الإدارة الأميركية قد ضُللوا حقاً"، أو تجاهلاً لمعلومات صحيحة، لكنها مغايرة، قُدمت لهم ورفضوا أن يؤسسوا عليها قراراتهم لأن المصالح كانت أكثر تأثيراً. واليوم عندما يقف "باول" ليقطع باتهام حكومة السودان بـ"الإبادة الجماعية" من حق أي إنسان يعنيه الأمر أن يتساءل عن درجة الصدقية في هذا القطع على الأقل عملاً بالحكمة المعروفة "لا يُلدغ المؤمن من جُحر مرتين". لقد أفاد تقرير الخارجية الأميركية في هذا الصدد أن مسؤولين أميركيين أجروا على مدى خمسة أسابيع مقابلات مع 1136 لاجئ من "دارفور" أكدوا ارتكاب "فظائع منظمة واسعة النطاق ضد القرويين". أي أن المحققين الأميركيين قد أصدروا حكماً بعد الاستماع إلى شهادة طرف واحد من الضروري أن تكون له مصلحة في تضخيم ما يجري لأسباب مفهومة. لا يمكن أن ننكر أن ثمة أساساً للحديث عن تقصير الحكومة السودانية في حماية الأمن في "دارفور"، بل إن اتهام الحكومة السودانية بالتواطؤ مع بعض الميليشيات أو المشاركة بقوات حكومية في أعمال قمع ضد أهالي "دارفور" أمر قابل للمناقشة. والاعتراف بأن فظائع قد ارتُكبت ضرورة. لكن هذا شيء والقطع بأن الحكومة السودانية قد ارتكبت أعمال "إبادة جماعية" في "دارفور" شيء آخر، خاصة وقد اختلفت تقديرات عربية ودولية في تقييم حقيقة ما يجري هناك، بدءاً من الذين ينكرون أصلاً وقوع أية أعمال من هذا النوع، وانتهاءً بمن يسلمون بحدوث انتهاكات واسعة لحقوق الإنسان في "دارفور" من قبل قوات حكومية أو ميليشيات متواطئة معها دون أن يصل الأمر لدى أي من هذه التقديرات إلى الحديث عن إبادة جماعية في "دارفور"، ناهيك عن أن تكون الحكومة السودانية تمثل الرأس المدبر لها.
والمشكلة أننا لا نتحدث عن محلل "هاوٍ" أو مسؤول سياسي مبتدئ وإنما عن وزير خارجية الدولة العظمى الوحيدة في العالم، والتي تستطيع أكثر من غيرها أن تحول أقوالها إلى أفعال، ولذلك فإن ثمة حاجة ملحة للتدبر في تداعيات ما يدعيه باول، والتداعيات شديدة الوضوح، فقد كان "باول" يتحدث كما سبقت الإشارة قبل بدء مجلس الأمن مناقشة مشروع القرار الذي تقدمت به الإدارة الأميركية، والذي يتضمن عقوبات على الحكومة السودانية منها ما هو اقتصادي (حظر تصدير النفط)، وما هو عسكري (حظر الطيران العسكري)، ما لم تعمل الحكومة السودانية على وقف الجرائم بحق المدنيين في "دارفور".
المسألة إذن تكتسي جدية وتنبئ بتكرار السيناريو المنحرف ذاته الذي طبقته الإدارة الأميركية على كل من أفغانستان والعراق، كذلك فإن التفكير ينبغي أن ينصرف على الفور إلى تأمل المستقبل. وإذا كانت الدول العربية والإسلامية لا تستطيع في حالتها الراهنة أن تفعل شيئاً ذا بال في مجال حماية السودان من الأخطار المتربصة به، فإن أضعف الإيمان هو مناشدة حكومة السودان أن تبذل كل ما في وسعها لكي تتفادى توفير الذرائع لمن يريد التدخل في شؤونها وذلك بتحسين أدائها في أسرع وقت ممكن فيما يتعلق بقضية "دارفور