اشتهرت كشمير بأنها جنة الله في أرضه نظراً لما تتمتع به من جمال طبيعي تتبدى مظاهره في قمم الجبال المكسوة بالثلوج وأشجار الصنوبر المهيبة، والبحيرة الرائعة الكائنة في منتصف عاصمتها"سيرنجار". وقبل عام 1989 الذي دشن انفجار العنف فيها كانت كشمير هي المقصد السياحي الأكثر شهرة وشعبية ليس فقط بالنسبة للأسر التي أحبت ما تحفل به من بساتين فاكهة، وحدائق غناء، وإنما أيضاً بالنسبة لهواة الرحلات والتزلج على الجليد القادمين من مختلف أنحاء العالم. والآن، وبعد عقدين كاملين من العنف، تغير الموقف جذرياً حيث بدأ السياح القادمون من مختلف أنحاء الهند يزورن كشمير مرة ثانية لاكتشاف جمالها الطبيعي الخلاب. وقد ارتفعت أعداد السياح الزائرين ارتفاعاً كبيراً خلال العامين المنصرمين، حيث بلغ عدد من زاروا "سيرنجار" خلال العام الماضي 1.1 مليون سائح ويتوقع أن يصل إلى مليوني سائح، وهو ما يمثل رقماً قياسياً غير مسبوق في تاريخ كشمير وفقاً لتوقعات الحكومة. وفي الوقت الراهن تعمل حكومة الولاية على ترويج مرتفعات"كارجيل"، التي مثلت بؤرة الصراع المرير بين الهند وباكستان على الولاية كمزار سياحي جذاب. وهذه المنطقة التي تبعد خمسة كيلو مترات فقط عن حدود الهند مع باكستان تحفل بالمروج الخضراء وحدائق الأزهار المتنوعة، تم الآن فتحها بالكامل أمام السائحين بعد إغلاق دام أكثر من 22 عاماً. وهذا التغير الشامل حدث بسبب انخفاض وتيرة القتال والعنف الذي سمح بتدفق أعداد كبيرة من السياح للولاية في الصيف الماضي، وهو ما فتح فرصاً للعمل والاستثمار السياحي لدى سكانها الذين حول الكثير منهم منازلهم أو جزءاً منها لفنادق توفر المبيت والإفطار للزائرين. وعلى الرغم من زيادة أعداد السائحين الزائرين للولاية، فإن اهتمام سكانها يتزايد أيضاً بالأشياء التي تشغل بالهم في حياتهم اليومية مثل البطالة، والنمو الاقتصادي، وارتفاع الأسعار، والتضخم. وقد يكون من المهم الإشارة في هذا السياق إلى أن حالة الهدوء والسلام السائدة في كشمير لا تزال هشة إذ ليس هناك أحد يعرف متى يقع الحادث التالي الذي يمكن أن يفجر العنف. ففي يونيو 2010 اندلعت المظاهرات بعد مقتل طالب يبلغ من العمر 17 عاماً في صدام بين الشرطة والمتظاهرين. وسرعان ما عم العنف مختلف أنحاء الولاية، واندفع المئات من الصبية الذين لم تكن أعمار بعضهم تزيد عن 12 عاماً إلى الشوارع، وأخذوا يرشقون رجال الشرطة بالأحجار تنفيساً عن حالة الإحباط العام التي يعيشها أهلهم بسبب تفشي البطالة، وسوء المعاملة، وسوء الأحوال الاقتصادية بشكل عام. ولم يؤد قيام السلطات بفرض حظر التجول لأجل غير مسمى، وما نتج عن ذلك من جمود اقتصادي سوى إلى تأجيج مشاعر الكره العميق نحو السلطات. وعلى نفس المنوال أيضاً، وبعد شهور من الهدوء، وقع هجوم من قبل مسلحين خارج أحد الفنادق في ضواحي العاصمة، أدى إلى مصراع أحد الأشخاص وإصابة اثنين آخرين، وهو ما ذكر الجميع مرة أخرى بحقائق الواقع الذي تعيشه كشمير. والحال أن تلك الأحداث توضح بشكل جلي أن أي سلام في كشمير، سوف يظل هشاً طالما أن الهند وباكستان لم تتوصلا لحل القضية التي ظلت تمثل لب الصراع القائم بين البلدين منذ عقود طويلة. يرجع هذا الصراع للتنازع بين البلدين على تبعية كشمير حيث تدعي الهند أنها تابعة لها بالكامل وهو ما تعارضه باكستان. وقد دفع ذلك التنازع البلدين لخوض حربين دون أن يؤدي ذلك لحل المشكلة. والمرة التي اقترب فيها البلدان من حل المشكلة كانت عندما بدأ الرئيس الباكستاني السابق برويز مشرف ورئيس الوزراء الهندي السابق "اتال بيهاري فاجبايي" مباحثات في إطار عملية كان من المفترض ان تؤدي إلى تسهيل الحركة إلى كشمير من الجانبين. وقد استمرت تلك المباحثات في التقدم بعد أن تولى رئيس الوزراء الحالي "مان موهن سنج" منصبه كرئيس وزراء للهند عام 2004. ولكن ما حدث هو أنه بحلول عام 2007 بدأت عملية السلام المرتجاة في التباطؤ بعد أن بدأ برويز مشرف يعاني من مشكلات داخلية في باكستان تفاقمت، حتى أجبرته على الاستقالة في نهاية المطاف. بعد ذلك لم تنجح الجهود التي بذلها رئيس الوزراء الهندي الحالي مان موهن سنج لاستمرار الحوار حول كشمير، وتعرضت تلك الجهود لضربة عنيفة بعد الهجمات الإرهابية المروعة التي وقعت في بومباي، والتي تم تنفيذها من قبل مسلحين يتخذون من باكستان قواعد لهم وبمساعدة من مدربين باكستانيين. وعقب تلك الهجمات مباشرة علقت الهند المباحثات بينها وبين باكستان. وعلى الرغم من أن تلك المباحثات استؤنفت مؤخراً إلا أن البلدين يتحركان بنشاط في المسائل المتعلقة بالتبادل والتجارة فقط، تاركين المسائل المعقدة مثل كشمير على الموقد الخلفي. كانت هناك دعوات لنزع سلاح كشمير وتحقيق درجة أكبر من الحكم الذاتي، ولكن من غير المرجح أن يتغير الموقف القائم بين البلدين بشأن الولاية حيث استبعدت الحكومة أي إمكانية لنزع السلاح فيها بحجة أن أوضاعها الحالية لا تسمح بهذا الخيار. ومن المعروف أن كبير الوزراء الحالي في الولاية السيد عمر عبدالله الذي تولى منصبه منذ سنوات قليلة وسط آمال عريضة معقوده عليه، أثبت أنه غير قادر على دفع الولاية قدماً، وهو مأ أدى إلى زيادة السخط خصوصاً بعد أن فشل في تحقيق قدر أكبر من الاستقلال الذاتي كما وعد. وبالإضافة الى عدم القدرة على حل المشكلات السياسية التي تواجهها كشمير، فإن هناك مشكلات أحدث تطفو على السطح في الوقت الراهن، لعل أكثرها إثارة للقلق هي مشكلة البطالة المنتشرة على نطاق واسع في كشمير حيث يعاني نصف عدد الشباب في المرحلة العمرية من 18-30 من عدم توافر الوظائف ما أدى إلى إحباط هؤلاء الشباب ودفعهم نحو التطرف الذي بات يشكل هماً مقلقاً للسلطات والسياسيين في الولاية على حد سواء. ومن المعروف أن الوظائف تأتي عندما تكون هناك استثمارات، وأن هذه الأخيرة تأتي عندما يكون هناك سلام طويل الأمد، ولكن الوضع في كشمير الآن أشبه ما يكون بالمأزق أو الإشكالية: فالمشروعات التجارية والاقتصادية ستبدأ في الازدهار عندما يكون هناك مجال لتحقيق استقرار طويل الأمد فقط. وعلى الرغم من أن السياحة قد ارتفعت خلال العامين الماضيين إلا أن كشمير لم تصل بعد إلى المرحلة التي يمكن أن تبشر بتحقيق سلام واستقرار طويلي الأمد. د.ذكر الرحمن مدير مركز الدراسات الإسلامية- نيودلهي