عجيبة هي تلك العلاقة القوية وغير المرئية بين المبدع العراقي المهاجر وبين وطنه، والتي ألقى عليها الضوء مجدداً محمد عارف في مقاله "حنين المبدع العراقي في الشتات"، موضحاً أن ذلك العراقي تفضحه إبداعاته، حيث تتلاشى كل قسوة تماسكه، فيركع على أرض "نوستوس". إن التغرب قد يكون مظهراً لمحاولة التشبث بالانتماء، وهنا "يصبح الوطن ذكرى وانتماءً وليس بقعة جغرافية، وطن يتسرب من تلافيف الذاكرة عساه أن لا يحتضر". وقد أعجبني النموذج الذي اختاره الكاتب كمثال لعلاقة المبدع العراقي المهاجر بوطنه، حيث اعتبر أن "وِطانُ" الآلوسي يمثل حنين المبدع الذي يقضى العمر هارباً بإبداعاته من الوطن وإليه؛ نوستالجيا متشظية كألعاب نارية تقدح بذاكرات سومرية وبابلية وآشورية وعباسية، وبالحنين للعمران المُنتَج بين يديه ولساكنيه، حنين يشدّ معمار الآلوسي إلى الأعلى ثم يُقوِّسه حول نفسه منكفئاً نحو الأرض، نحو الوطن. و"المجتمع البشري كالقوس يقيه من الانهيار والضغط المتبادل لأجزائه"، حسب الفيلسوف الروماني سينيكا، وكما يجسد عَمَلُ الآلوسي في مشروع "شارع حيفا" في بغداد، والذي يبدو قوساً مشدوداً على حافة الانهيار! حميد عوض- العراق