إذا كانت الهوية متعددة الدوائر ذات المركز الواحد ومهددة بخطر الانقسام أو الاغتراب فإن اللغة أيضاً قد تكون متعددة في الوطن الواحد، تهدد وحدة الأوطان. وقد تمتد التعددية اللغوية إلى مستوى الثقافة فتصبح التعددية الثقافية أساساً مقدمة لتفتيت الأوطان. الوحدة والتنوع قانون طبيعي في الحياة الإنسانية بل والطبيعية. المهم هو أين تكون الوحدة وأين يكون التنوع؟ ليست القضية نظرية صرفة بل هي قضية عملية واقعية تمس وحدة الوطن العربي وتنوعه. فالوطن العربي واحد باسم اللغة والثقافة والتاريخ المشترك والأرض المتواصلة. يهدده التنوع اللغوي في الأطراف. وقد تتآكل الأطراف. وهو ما وصفه القرآن "أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا". ثم تنخر العامية في القلب في مصر كأداة للتخاطب وليس فقط في الحياة العامة بل أيضاً في الحياة العلمية، في التدريس في الجامعات، وفي الإعلام في القنوات الفضائية الحكومية والخاصة، بل وبدأت منذ مدة الدعوة إلى الكتابة بالعامية والأدب العامي أسوة بالزجل وقدرة بيرم التونسي وأحمد فؤاد نجم على التعبير بها عن الواقع العربي. الأغاني بالعامية، والمسرحيات بالعامية، والحوار الروائي بالعامية. وإن كان الحديث بالفصحى فإنه يكون مملوءاً باللحن حتى من وزير الثقافة. والحجة أن العامية المصرية مفهومة لكل العرب بسبب موادها الإذاعية والتلفزيونية وأفلامها، كما أن الفرنسية والإيطالية هي عامية اللاتينية. فمن الطبيعي تطور الفصحى إلى العامية. ولولا القرآن الكريم لاندثرت الفصحى. وتخترق جميع اللغات في الأطراف وفي المركز اللغات الأوروبية خاصة الإنجليزية والفرنسية إما حديثاً أو تعبيرات أو مصطلحات. ففي لبنان وسوريا والمغرب العربي تنتشر الفرانكفونية. وفي العراق والأردن والخليج واليمن والسودان ومصر تنتشر الأنجلوفونية. وعلى رغم وجود المقابل العربي إلا أن التعبير أو المصطلح الأجنبي أيسر على اللسان وأقرب إلى الذهن طبيعة أو اصطناعاً، جهلاً أو تكلفاً. وتدفع عقدة النقص أمام الأجنبي إلى هذه الظاهرة لإخفائها أو لاستكمالها. كان ذلك مفهوماً أثناء الاحتلال لمخاطبة المحتل ببعض ألفاظه ومصطلحاته. واستمر الأمر بعد الاستقلال بتأسيس مدارس لرياض الأطفال باللغات الأجنبية الفرنسية أو الإنجليزية خاصة ثم الألمانية بعد ذلك واستئنافها في المدارس الابتدائية والثانوية والجامعات الخاصة. وكلما هبط التعليم في الجامعات الخاصة، وكلما زادت الشركات الأجنبية احتاجت إلى خريجي الجامعات الخاصة على مستوى عال من الكفاءة اللغوية والمهارات في أجهزة الاتصالات الحديثة والحاسبات الآلية. ومهما كانت كفاءة التعليم للغات الأجنبية والتعبير بها في الحياة الخاصة والعامة إلا أن اللغة الوطنية عادة تكون أقدر على التعبير عن الفكر. وتكون اللغة الأجنبية أقل كفاءة في ذلك. فلكل لغة قدراتها التعبيرية عند أبناء وطنها. اللغة تجري مثل الدم في العروق. ولا يمكن نقل دم طيلة الوقت مهما دعت الحاجة. وإن تم الحديث باللغة العربية فإنها تمتلئ بالكلمات المعربة. وما أكثرها في العلوم الحديثة حتى لقد تم تسمية هذه اللغة "الفرانكوأراب". فلغة الطب والصيدلة مملوءة بها على رغم وجود الترجمة العربية لها مثل الأنتي بيوتكس، المضاد الحيوي، هيديك، وجع الرأس، كانسر، سرطان... إلخ. والأظهر في علوم الاتصالات الحديثة مثل الكمبيوتر، الحاسب الآلي، الإنترنت، شبكة الاتصال، الإيميل، البريد الإلكتروني، وفي التصوير "كلوز أب" أي التصوير عن قرب وأدواته مثل الكاميرا آلة التصوير. بل انتقل الأمر إلى مجال العلوم الإنسانية مثل الإبستمولوجيا المعرفة، والأنطولوجيا الوجود، والأكسيولوجيا القيم، والسيكولوجيا علم النفس، والسوسيولوجيا علم الاجتماع، والأنثروبولوجيا علم الإنسان، وانتقل ذلك إلى المصطلحات الهيومانزم للنزعة الإنسانية، الأيديالزم للمثالية، والريالزم للواقعية. ثم انتقل إلى الحياة العامة مثل كوافير مصفف الشعر أو حلاق، كوفي شوب مقهى، وتم تعريب بعض المصطلحات بلا رجعة مثل مول، سيتي ستارز، أوكازيون، أوكي، أورايت. في حين تغلب القدماء على هذه المشكلة. بدأوا بالتعريب ثم انتهوا بالنقل أي الترجمة وإيجاد اللفظ المقابل وخلقه بالعربية. ففي علوم المنطق قاطيغورياس أصبحت المقولات، باري أرمنياس العبارة، أنالوطيقا التحليلات، ريطوريقا الخطابة، ديالكتيكا الجدل، سوفسطيقا المراء، بوييطيقا الشعر، وما زلنا نعيش على هذه الألفاظ المنقولة حتى الآن. ولم يعد أحد إلا فيما ندر يستعمل الألفاظ المعربة. وقد استعملت ألفاظ معربة في القرآن الكريم من الرومية مثل الصراط Stratus ومشكاة من الفارسية والإنجيل من اليونانية والتوراة من العبرية. وقد دخل كثير من الألفاظ العربية في اللغات الأجنبية عندما كان النقل يتم من العربية إلى اللاتينية في أواخر المرحلة الأولى للنهضة الإسلامية التي يعادلها العصر الوسيط المبكر في القرنين الحادي عشر والثاني عشر الميلاديين مثل ألفاظ سكر، زيتون، إلى الإسبانية والطرف الأغر Travalgar في بريطانيا، وسوق، وبازار من الفارسية إلى اللغة الفرنسية. وقد أعدت قواميس بأكملها للألفاظ الأجنبية في كل اللغات. وعادة ما يتم النقل من لغة الحضارة القوية إلى لغة الحضارة الضعيفة كما تم نقل الألفاظ العربية إلى اللاتينية في نهاية المرحلة الأولى للحضارة الإسلامية وكما يتم الآن تعريب ألفاظ اللغات الأجنبية منذ قرنين من الزمن في نهاية المرحلة الثانية من الحضارة الإسلامية. ويمتد الأمر من اللغة إلى الحياة اليومية. فاللغة سلوك. وتنشأ ظاهرة التغريب أو "التفرنج" كما سماه المصلحون منذ القرن الماضي. وتمتد إلى اللباس مثل: شورت، بلوزة، كوت، بالطو. وتستعمل كلمات مثل أسانسير، روف، جروند فلور، ريسبشن، ويتر، بلمان، وفي التعليم مثل كندر جاردن، تجارة إنجلش، كما تظهر في الرياضة مثل الفوت بول كرة القدم، والفاول، آوت. وتمتد الظاهرة إلى الحياة الاقتصادية والسياسية. فلا فرق بين رأس المال الأجنبي ورأس المال الوطني، بين الشركات الأجنبية والشركات الوطنية، بين البنك الدولي وصندوق النقد والبنك الوطني، بين إيداع الأموال في الخارج لاستثمار وأمان أكبر وإيداعها في الداخل خوفاً من التأميم والرقابة. ويمحي الفرق بين الطربوش والقبعة، بين الأفندي والخواجة. وتنشأ الحركة السلفية بكل مظاهر تحريمها واستعادتها للعصر الماضي. يقابل اغتراب اللغة باسم الحداثة باغتراب آخر للغة باسم الأصالة وهو ما يسهل انتشار العامية كبديل عن رفض اللغتين القديمة والجديدة. ويمتد الأمر إلى الحياة الثقافية. فتزداد نسبة الترجمة على التأليف. وتكثر مشاريعها. وتعد الكتب المترجمة بالآلاف، الألف الأولى، الألف الثانية. وتتعدد مراكز الترجمة في العواصم العربية. وكل نهضة ثقافية تبدأ بمشروع للترجمة. وكلما كانت مطابقة للأصل المترجم منه كانت سليمة حتى لو ضحت بالأسلوب العربي في اللغة المترجم إليها. وتنشأ ثقافة منقولة بلا أصول. ويكثر الحديث عن مشاهير الكتب المترجمة ومؤلفيها لحاقاً بالثقافة العالمية. فينشأ رد الفعل السلفي بنشر كتب السلف التي تعبر عن ثقافة القدماء وعلومهم. وكلتا الثقافتين، الوافدة والموروثة، لا تحققان إبداعاً. اللغة هنا وسيلة لنقل المعلومات وليست للتعبير عن العلم، للنقل وليست للإبداع. وهنا يكون الفن أفضل لأن الفن لا نقل فيه. وتنتشر الازدواجية الثقافية من حيث المصادر وليس فقط من حيث اللغة، من حيث المضمون وليس فقط من حيث وسائل التعبير. ثقافة تترجم وتعرض، وثقافة تشرح المتون وتهمش عليها. وتلحق اللغة باغتراب الهوية. وتساعد على اغتراب الفكر بعد اغتراب الوجود. ويصبح الاغتراب هو النسيج الفعلي للوجود العربي، هوية ولغة وثقافة فيغترب العربي في التاريخ. ويخرج عن مساره. وتتغير معالم منطقته إلى هويات ولغات وثقافات أخرى تحتلها كيانات عرقية طائفية تصبح فيها إسرائيل أقوى دولة في المنطقة. تستولي على الموقع الجغرافي وعلى المسار التاريخي وعلى اللغة والثقافة .وتصبح الدولة العبرية هي وريث المنطقة لغة وثقافة وتاريخاً. وتلك نغمة البائسين. ومع ذلك هناك من يقبل التحدي التاريخي. فالعرب ما زالوا قائمين منذ جدهم إبراهيم وأبيهم إسماعيل، عليهما السلام. تلقوا الرسالة وحافظوا عليها. ونشروها شرقاً وغرباً وكانوا صناعاً للحضارة على مدى سبعة قرون. وعلى رغم الغزوات التي توالت عليهم من الشرق، التتار والمغول، ومن الغرب، الصليبيون والاستعمار الحديث، إلا أنهم قاوموا. وما زالوا يذكرون حطين وعين جالوت. قاموا بحركة تحرر وطني في الخمسينيات والستينيات. ثم تحولت الدولة الوطنية إلى دولة استبدادية. فقامت الثورات العربية الأخيرة في تونس ومصر وليبيا. وما زالت دائرة في اليمن وسوريا وقاب قوسين أو أدنى من الانتصار. لغة جديدة تعبر عن استرداد الهوية ونهاية الاغتراب. والتحول من الهزيمة إلى النصر. وتلك نغمة المتفائلين.