ما زالت فرنسا برمتها تقف على ساق واحدة قلقاً وتلهفاً لمعرفة ما ستؤول إليه قضية الصحفيين الفرنسيين المختطفين في العراق، وهما "جورج مالبرينو" و"كريستيان شينو".
حتى الآن ما زال الانتظار ثقيلاً، ولم يسفر أي مما أُشيع من دواعي التفاؤل عن أية نتيجة مبشرة بإطلاق سراح قريب للرجلين المختطفين. ومع أننا لا نريد استباق الأمور فيما ستؤول إليه المسألة، إلا أن ذلك لا ينبغي أن يمنعنا من استخلاص بعض الدروس والعبر التي تبدو في المتناول من الآن فصاعداً.
ولعل أقل ما يمكننا قوله أولاً، هو إن الأميركيين امتنعوا بشكل واضح عن تقديم يد المساعدة لفرنسا، في مسعاها لتحرير مواطنيها المخطوفين. بل إنهم على العكس من ذلك تعمَّدوا قصف بعض المدن السُّنية التي يسود الاعتقاد بأن الرهينتين الفرنسيين يحتجزان فيها. كما امتنعوا عن إعارة فرنسا طائرة هليكوبتر لكي يستخدمها المفاوضون الفرنسيون في تنقلاتهم.
أما كل من رئيس الوزراء العراقي إياد علاوي، وبعض صحف الدول المشاركة في عملية الاحتلال العسكري للعراق، وتلك الصحف الناطقة باسم المحافظين الجدد الأميركيين، فقد أظهروا جميعاً نوعاً من الفرحة المشوبة بنبرة التشفـّي في فرنسا بمجرد الإعلان عن حالة الاختطاف. فقد كان ذلك من وجهة نظرهم دليلاً قاطعاً على أن فرنسا هي التي اختارت سلوك الطريق الخطأ، حين رفضت الاشتراك في حرب العراق، وها هي اليوم على رغم عدم اشتراكها في الاحتلال تدفع الثمن غالياً، وتكتشف أنها لم تكن في مأمن من أعمال الجماعات "الإرهابية". ومن وجهة نظر الناقمين على الموقف الفرنسي، فإن عملية الاختطاف هذه من شأنها أن تسمح بتصحيح مسار السياسة الفرنسية، لأنها ستجعل باريس تكتشف أنها كانت تسير طيلة كل هذه الفترة في الطريق الخطأ. أما الخطوة التالية المطلوبة من فرنسا فهي أن تنضوي دون تأخير تحت المظلة الأميركية، لكي تسهم في الحرب على "إرهاب" أعمى لا يميز بين من كانوا مع الحرب على العراق ومن كانوا ضدها، ولا يقيم تفرقة بين من أسهموا في الاحتلال العسكري لبلاد الرافدين ومن ظلوا ممتنعين عن الإسهام في ذلك الاحتلال. وما يملي علينا نحن المبدأ أن نقوله قبل كل شيء، هو أن احتجاز الرهائن من المدنيين كائنةً ما كانت جنسيتهم، يعتبر عملاً غير مقبول بتاتاً وغير أخلاقي إطلاقاً.
والحقيقة أن المسؤولين الفرنسيين لم يفكروا أبداً في أنهم يمكن نتيجة لهذا الموقف أو ذاك أن يصبحوا في مأمن من "الإرهاب". وما يقوله المنطق هو ألا أحد يمكن أن ينساق وراء مثل تلك الأوهام الوردية. ومن هنا فإن الدليل الذي يقدَّمُ اليوم باعتباره دليلا دامغاً على خطأ الموقف الفرنسي يبدو في الواقع دليلاً مدموغاً ومتهافتاً في حد ذاته. ذلك أن فرنسا رفضت من البداية المشاركة في حرب ومن ثم احتلال العراق، لأنها تعرف أن من شأن تلك الحرب أصلاً أن تنميّ أسباب انتشار "الإرهاب". ولذا رفضت باريس بشكل واضح، ودون مناورة، التورط في الحرب والاحتلال، سواء بسواء. أما النتيجة التي ترتبت على الأمرين فواضحة اليوم للعيان، إذ لم تقض حرب العراق على "الإرهاب" بل زادته وأشاعته على أوسع نطاق. ولعل اختطاف المرأتين الشابتين الإيطاليتين العاملتين مع إحدى المنظمات الإنسانية يقدم دليلاً آخر على أن ما آل إليه الاحتلال العسكري الذي يقوده الأميركيون ليس قيام عراق تعمُّه أجواء الهدوء والسكينة والاستقرار، وإنما قيام هذا العراق الذي يقدم أشنع مثال على الفوضى العارمة والرعب الذي يفوق كل تصور.
ويمكننا القول أيضاً، دون حاجة إلى كثير من المبالغة، إنه إذا كان أولئك الذين تغيظهم السياسة الفرنسية، يعتقدون أنهم يستطيعون استغلال هذه المرحلة المأساوية من الأزمة لفضح ضعف موقف باريس، فإنهم بذلك يقدمون دليلاً إضافياً آخر على أنهم ما زالوا يتخبطون في الطريق الخطأ حتى اليوم. ولا أدل على ما نقول من هذه الهبّة الشاملة التي لا سابق لها، والتي لم تشمل فقط الحكومات العربية، بل شملت مختلف التنظيمات والقوى الجماهيرية الفاعلة في جميع الدول العربية بلا استثناء، للمطالبة بإطلاق سراح الصحفيين الفرنسيين، دون قيد أو شرط. والدرس الذي يمكن استخلاصه من هذه الوقفة الجماعية العربية هو مدى عمق العلاقة الخاصة جداً التي تربط فرنسا بالدول العربية جميعاً. وعلى رغم الاختلافات في المواقف بين دول العالم العربي - وهي اختلافات ليست يسيرة- إلا أنها تـُجمِع على الاعتراف بأن ما يربطها من علاقات مشتركة مع فرنسا، أكثر بكثير مما يربطها بدول أخرى.
ولكن يلزمنا أيضاً أن نعترف بأنه إن كان ثمة من آثار سلبية لعملية اختطاف الرهائن الفرنسيين في المدى المنظور فإنه بكل تأكيد سيكون على المستوى الداخلي الفرنسي نفسه. فلن تمحي بسرعة آثار هذه العملية. ذلك أن المجموعة المسلحة التي اختطفت الصحفيين طلبت من طرف واحد - في مقابل إطلاق سراحهما- أن يُلغى رسمياً القانون الفرنسي الهادف إلى حظر الرموز الدينية الظاهرة (المرئية)، في المدارس العمومية. وكان ملفتاً أن المهلة التي