هل دخلت أميركا حقاً مرحلة الانحدار والتراجع المدوي؟ وهل يستطيع اقتصادها استعادة زمام المبادرة مجدداً بعد التداعيات الكارثية لمرحلة ما بعد الأزمة المالية العالمية التي رزح في هاويتها خلال السنوات الأخيرة؟ وفي ضوء جسامة التحديات الوجودية، الاقتصادية والسياسية، الداخلية والخارجية، هل يمكن أن نقول اليوم، باطمئنان، إن أوباما هو رجل المرحلة المقبلة، خاصة في ضوء سجل أدائه الاقتصادي والسياسي خلال سنوات ولايته الأولى الموشكة على الانقضاء؟ هذه أسئلة ضمن أخرى عديدة يثيرها الكاتب الفرنسي المتخصص في الشؤون الأميركية "جيل بياست" في كتابه الصادر قبل أسابيع قليلة تحت عنوان: "أين تسير أميركا؟ من وول ستريت إلى مين ستريت (الشارع العام)... هواجس الانحدار". وهو عنوان مركب، واسع جامع، يشير إلى الأبعاد المختلفة التي سعى المؤلف لمقاربتها في كتاب يجمع فيه بين التقصي والتحقيق، ويقرأ في الوقت نفسه عناوين وملامح التوثب والإعياء، التي تتملك بلاد "العم سام" الآن، في سنة تقرر فيها اختيار رئيس جديد سيتولى حمل أمانة المضي قدماً بها مع الزمن أربع سنوات أخرى إلى الأمام. وفي البداية يرى الكاتب أن أميركا تبدو اليوم في موقع أفضل لاستخلاص الدروس من تحديات العالم البازغ، مقارنة مع أوروبا التي غاصت عميقاً في أوحال أزمتها النقدية المزمنة، وتداعياتها السياسية المحتملة، كما أن فرص بقاء بلاد "العم سام" في الصورة وفي دائرة التأثير على المسرح الدولي أكبر بكثير بما لا يقارن إلى إمكانيات حلفائها الأوروبيين، وذلك لأن أميركا تملك في النهاية من الأوراق ما تستطيع إشهاره على الطاولة، والعودة به إليه اللعبة. وأوجه قوة أميركا المرنة ما زالت قائمة، فالفيسبوك قيل إنه هو من زرع الثورات في العالم العربي، والآيباد هو حديث الساعة في جميع العالم بمختلف القارات، والثقافة الشعبية الأميركية ومخرجات هوليود ما زالت رقماً صعباً في تشكيل وتوجيه الرأي العام الدولي، وما زال التعطش في مختلف القارات قوياً على كل منتج ثقافي ممهور بالماركة المسجلة "صنع في أميركا". ولكن المفارقة، مع ذلك تكمن في أنه لا حديث داخل أميركا نفسها الآن سوى عن مخاوف الانحدار والتراجع، وهواجس أفول دورها وحضورها على المسرح الدولي، وقد ضخت الخطابة الدعائية والحزبية، والحزبية المضادة، طيلة أشهر الحملة الانتخابية الرئاسية الراهنة رياحاً قوية، بل عواصف في خطاب الفجيعة هذا، ومونولوج الأزمة الذاتية الأميركية المفتعل. وينطلق هذا الإحساس بالتراجع الذاتي من دوافع ذات صلة بأوجاع الذاكرة. فهجمات سبتمبر 2011، والحربان المريرتان في أفغانستان والعراق اللتان لم تتكشف أي منهما عن انتصار حاسم، والكارثة المالية العاصفة، كلها كانت نذراً وبوارح وبدايات غير مريحة للقرن الأميركي الجديد. ولذلك، يقول الكاتب، ترخي روح الشك وعدم اليقين سدولها اليوم على أميركا كلها من صحراء نيفادا إلى شواطئ كارولينا الشمالية، مروراً بالأجواء الكئيبة في مجمعات مصانع متشيغان وسهول أوهايو. وثمة انطباع عام، وربما عارم، بأن الحلم الأميركي قد دخل اليوم مرحلة الانكسار. وأن البلاد أخذت طريقها إلى قاع هاوية لا قرار لها. ولكن، إلى متى؟ وهل هذا الانكسار والانحدار حالة مؤقتة... وبعدها الصعود؟ أم أنه سيدوم ويطول؟ هذا ما يتساءل عنه الناخب الأميركي اليوم، ويفكر بمقتضاه قبل اختيار من سيأتمنه على مستقبل الحلم الأميركي. ويتساءل الكاتب إن كان الأميركيون سيقررون في النهاية تجديد الثقة في أوباما، أم سيجازفون بتجريب ما وراء الشعبوية السياسية الجمهورية؟ وإذا فعلوا فهل سيكون في مقدورهم العودة مجدداً بعد الاقتراع للعمل سوياً لمواجهة التحديات الجارفة التي تواجه بلادهم؟ وقبل هذا وذاك، إذا فشلوا، واستمر انكسار بلاد "العم سام"، فهل علينا الشعور بالفرح لذلك، أم بالاستياء والقلق؟ وفي الأخير، وبالعودة إلى تلك الجزئية من العنوان التي تشير إلى بعدي أميركا "من وول ستريت إلى مين ستريت" يفصل الكاتب أيضاً في توضيح حجم الاستقطاب القائم اليوم بين أميركا المال والأعمال وتغول الاقتصاد الرأسمالي "المالي"، وأميركا الأعماق والشارع العادي التي يعتبر الطبقة الوسطى الأميركية ممثلة لها وأمينة على أحلامها المنكوثة. وفي هذا السياق يعتبر الكاتب أن لدى الطبقة الوسطى الأميركية -أو أميركا الأعماق- الكثير من أسباب الاستياء الآن لأنها كانت الشريحة الأكثر تضرراً من الأزمة المالية، والأقل استفادة من مشروعات وخطط احتوائها. كما يتوقف أمام بعض دواعي قلق الشرائح الوسطى من "الواسب" الأميركيين، (البيض البروتستانت ذوي الأصول الأنجلوساكسونية)، الذين عرفت حركة "حفل الشاي" اليمينية كيف تسوّق في صفوف شرائح واسعة منهم دعايتها حول تراجع وانحدار أميركا خلال السنوات الأخيرة. وهي ذات الحركة التي يعول الحزب الجمهوري، ومرشحه "ميت رومني"، عليها كثيراً لصناعة الفارق وتحقيق الانتصار في استحقاق السادس من نوفمبر الجاري. فهل يترجم كل ذلك نفسه في شكل انتصار جمهوري محمول على خطاب الفجيعة والانحدار؟ هذا هو سؤال اللحظة الآن. حسن ولد المختار -------- الكتاب: أميركا... إلى أين؟ المؤلف: جيل بياست الناشر: بيكر ستريت تاريخ النشر: 2012