الجدل الدائر حالياً بين البلدان العربية من جهة والبنك الدولي من جهة أخرى حول الاستثمارات وعودة الأموال العربية المهاجرة يحمل في طياته الكثير من المؤشرات التي تعكس بشكل أو بآخر التفاوتات السياسية والحملات الإعلامية الدائرة بين الطرفين في الوقت الحاضر.
لقد توقع معظم المراقبين أن يعود جزء مهم من الأموال العربية المهاجرة بعد أحداث 11 سبتمبر في الولايات المتحدة، وبالأخص بعد الإجراءات التي اتخذتها واشنطن في مجال منح التأشيرات ومراقبة التحويلات والاستثمارات في المؤسسات المالية.
ما حدث هو العكس تماماً، فالأموال العربية المهاجرة ازدادت منذ أحداث 11 سبتمبر بنسب كبيرة بلغت 25% لتصل إلى 1000 مليار دولار في الوقت الحاضر، مقابل 800 مليار دولار في نهاية عام 2001.
صحيح أن جزءا من هذه الاستثمارات المستقرة في الولايات المتحدة خرج منها، إلا أن الصحيح أيضاً هو أن معظمها وجد طريقه نحو شرق آسيا وأوروبا بصورة أساسية، في حين استقطبت البلدان العربية نسبة متدنية من أموالها المهاجرة.
من هنا ثار الجدل بين الدول العربية وصندوق النقد الدولي وتفاوتت وجهات نظر الطرفين بصورة كبيرة، فالبلدان العربية تنتقد السياسات التمييزية التي ينتهجها الصندوق، وبالأخص عدم تشجيعه رجال الأعمال للاستثمار فيها، وتركيزه على البلدان الصناعية المتطورة، فمن أصل 17 مشروعاً استثمارياً كبيراً لشركات دعمها البنك الدولي، لم تحظَ البلدان العربية بواحد منها.
من جهته انتقد صندوق النقد الدولي البلدان العربية، مدعياً أن سياساتها الاقتصادية لا تساعد على جذب الاستثمارات الأجنبية والأموال العربية المهاجرة، وأشار بشكل خاص إلى السياسات الخاصة بدعم وتشجيع القطاع الخاص من خلال سياسات الخصخصة.
وفي هذا الصدد نوَّه الصندوق إلى أن معظم سياسات الخصخصة العربية بحاجة لإعادة تقييم ، إذ أنها قامت على أسس غير سليمة.
لا شك أن بيئة الاستثمار العربية بحاجة إلى تطوير شامل، فالبلدان العربية تأتي في آخر سلم القائمة الخاصة بالحرية الاقتصادية في العالم، كما أن العديد منها يعاني من عدم الاستقرار وتدني مستوى الأداء الاقتصادي وقدم التشريعات والأنظمة الاقتصادية المعمول بها في الوقت الحاضر، مقارنة بالتطور المستمر للأنظمة والتشريعات في البلدان الصناعية وبلدان جنوب شرق آسيا والتي حققت تقدماً اقتصادياً مشهوداً في السنوات الماضية.
وفي نفس الوقت، فإن القطاع الخاص العربي بحاجة ماسة إلى تطوير آليات عمله والدخول في شراكة اقتصادية للاستثمار في القطاعات الاقتصادية الحديثة، بدلا من التقوقع حول القطاعات التقليدية والتي تشبعت استثماراً في معظم البلدان العربية.
ومع ذلك، فإنه لا يشفع للبنك الدولي التمسك بالنواقص والسلبيات، بل إن الدعوة إلى تبني الإصلاحات الاقتصادية تدخل في صميم عمل البنك الدولي، على الرغم من أن مقترحات الصندوق لا تبدو ملائمة في الكثير من الأحيان، كما حدث مع ماليزيا أثناء أزمة اقتصاديات شرق آسيا في عام 1997، حيث نحى رئيس وزراء ماليزيا في ذلك الوقت "مهاتير محمد" توصيات صندوق النقد جانباً، واتخذ خطوات أخرى أكثر عملية وصدقاً، قادت إلى خروج ماليزيا قبل غيرها من البلدان الآسيوية التي طالتها الأزمة، كتايلند واندونيسيا.
لقد تراكمت خلال سنوات الحرب الباردة أزمة ثقة بين الصندوق والدول النامية بشكل عام، بما فيها الدول العربية، مما يتطلب ترميم العلاقة بين الطرفين وإعادة الثقة بينهما، فالصندوق يملك إمكانات وطاقات كبيرة يمكن من خلالها المساهمة في تنمية البلدان العربية والعمل على جذب الاستثمارات الأجنبية إليها، وذلك من خلال مساعدتها على تجاوز الصعوبات والسلبيات التي تعيق تدفق هذه الاستثمارات، ما سيؤدي إلى تقدم هذه البلدان وحل العديد من الإشكالات التي تعاني منها اقتصادياتها في الوقت الراهن.
والأمر لا يتوقف هنا على جذب رؤوس الأموال فحسب، وإنما ما يرافق ذلك من استقدام وتوطين للتكنولوجيا والمعرفة والتي تعتبر مسائل مهمة للتنمية المستدامة في العالم العربي.