كان - وما زال- جمعٌ من المفكرين والفلاسفة والسياسيين يعتقدون أن تحرُّر البشر والمجتمعات البشرية يتأسس على الحقل "المعرفي". فإذا عرف الناس الأسباب والنتائج لظاهرة ما (مثل الاضطهاد أو التخلف الاقتصادي أو التعليمي)، امتلكوا الآليات الكفيلة بجعلهم أسيادها، بعد أن كانوا تحت قبضتها. وقد برز هذا الاعتقاد خصوصاً في أوساط الفكر "التنويري"، الذي وضع أصحابه مهمتهم في مكافحة الجهل والظلاميّة، انطلاقاً من أن المرء حين يتعلم ويتنور، فإنه يكف عن أخطائه وربما كذلك عن "جرائمه".
وشيئاً فشيئاً، يكتشف البشر أن "المعرفة" بأخطاء وأخطارٍ ما لا تفضي - بالضرورة- إلى تجاوز هذه الأخيرة، بل يمكن أن تكرّس للمحافظة عليها في سبيل توظيفها في خدمة مصالح فئة أو طبقة أو مجموعة من البشر على نحوٍ قد يضع السلم العالمي والاستقرار الدولي على بساط البحث. وقد جاءت سيدة من أوساط الشعب الأميركي لتضع ذلك كله أمام هذا الشعب وأمام العالم برمته. لقد جاءت "كاترين أوستين فيتس" - وكانت قد شغلت منصب "مساعِدة" لسكرتير السكن في عهد إدارة بوش الأب ورئيسة شركة "صولاري" لتشكك في المصداقية المعرفية والأخلاقية للفلسفة الذرائعية، التي تعتبر بمثابة الناظم للاستراتيجية السياسية الأميركية، وتقوم على المبدأ التالي: كل ما يتوافق مع مصالحنا، هو حقيقة، وكل ما لا يتوافق مع هذه المصالح، إنما هو باطل ينبغي مواجهته. إن السيدة المذكورة أظهرت عمقاً في النظر المعرفي وفي المسؤولية الأخلاقية، حين وجهت رسالة مفتوحة منها إلى "كوندوليزا رايس" مستشارة الأمن القومي في البيت الأبيض، نشرت في الصحافة الأميركية قبل بعض الوقت، وكانت تحمل تاريخ 9 أبريل من هذا العام 2004.
تقول السيدة "أوستين" إنها تريد تنبيه المستشارة إلى أربع ملاحظات، هي كما يلي: 1- إن كوندوليزا كاذبة في إنكارها لمعرفة ما كان مخططاً تحت أهداف الحادي عشر من سبتمبر. 2- لم تعد أهداف المستشارة ومن معها ممّن ينكرون معرفة ما كان مخططاً للحادي عشر من سبتمبر، غامضة أو محتجبة، وإنما أصبحت واضحة للجميع. وفي مقدمة تلك الأهداف يأتي التلازم الحتمي بين المستفيد من هجمات اليوم المذكور، وبين سرّ عمليات التنافس على كرسي رئاسة البيت الأبيض، كما أن من هذه الأهداف جلب الأموال الطائلة إلى الشركة الاستثمارية، التي "حملت" كوندوليزا إلى منصب مستشارة الأمن القومي في واشنطن، إضافة إلى الأموال، التي دخلت في فلك "الانتهاز والاستغلال المادي الذي تمارسه شركات البترول المتواطئة مع كل من مكتب التحقيقات الفيدرالي وأجهزة الاستخبارات وقوات حفظ الأمن". 3- أما الملاحظة الثالثة فتحددها "أوستين" بدعوتها "كوندوليزا" وأساطين الموت في الإدارة والشركات الأميركية العملاقة إلى الكفّ عن "اللعب" بدماء البشر. وتخاطب الكاتبة، المسكونة بهاجس البشرية والدفاع عن كرامتها ومستقبلها، مستشارة الأمن القومي قائلة:"نعلم أن أغنياء العالم يموّلونك... ونفهم سر عدم تمكن بلد كالولايات المتحدة من سماع تحذيرات متوالية ستضرب عمقه الاستراتيجي والاقتصادي... ونفهم بعدها كيف أن ذلك كان سبباً في إرسال جنودنا إلى جحيم الموت بالعراق للبحث عن أسلحة دمار شامل مزعومة لا حقيقة لها". وتعلن أوستين:"إن أكاذيبكم ومزاعمكم عن تفجيرات 11 سبتمبر وكذا عن سفاهات الحرب على العراق، لم يكن المستفيد منها سوى بارونات الحرب...".
وتـُنهي "أوستين" رسالتها بـ"نصيحة" لكوندوليزا رايس، حيث تخاطبها:"إذا أردتم توقيف الإرهاب، فلا داعي لأن تنظري إلى أبعد مِن مكانِ مرآتك الشخصية"!
هكذا تكشف الأميركية "أوستين" عن أن الأميركيين ليسوا جميعاً من نمط "رايس"، وعن أن "حقيقة" البشرية هي أرفع من "حقيقة" حفنة من الأميركيين، وعن أن الحادي عشر من سبتمبر إن هو إلا فعلٌ أميركي ملفّق يُقصد منه إشعال النار في العالم. ولكن، إذا مشينا خطوة واحدة مع "أوستين"، ألا يصح القول بأن هذه النار يمكن أن تأتي على أولئك، الذين يخونون، "حقيقة البشر"، ويُذلونها!