يتميز التيار الليبرالي والحداثي في الفكر العربي الحديث بكونه يضع نفسه كـ"ضد"، أو على الأقل كـ"بديل"، للتيار السلفي. وذلك باعتبار أن التيار السلفي يعتمد مرجعية ماضوية، بينما يعتمد هو منجزات الفكر العالمي التي ترتبط بالمرجعية الأوروبية. وكما بينا في المقالات السابقة فقد أهمل التيار السلفي عموما (باستثناء السلفية الوطنية بالمغرب) منجزات الفكر العالمي ووقف عند الجمود على التقليد، مما جعل طابع "الماضوية" يغلب على رؤيته. أما ابتداءً من هذا المقال فسيكون اهتمامنا مركزاً على الكيفية التي تعامل، ويتعامل، بها التيار الليبرالي الحداثي في الفكر العربي المعاصر مع المرجعية الأوروبية التي يتخذها مصدراً لرؤاه وسنداً لدعواه.
ونقطة البداية في هذا المجال هي التساؤل عن مرجعية الحداثة الأوروبية نفسها! وبعبارة أخرى: ما هي الجهة التي جعلت منها هذه المرجعية سلفاً لها تستوحيه وتعتمده في معركتها من أجل الإصلاح والتحديث. الجواب عن هذا السؤال جعل منه الفكر التاريخي الأوروبي الحديث جواباً جاهزاً: إنه السلف اليوناني الروماني! فالنهضة والإصلاح في أوروبا إنما انطلقا من الارتباط بالتراث اليوناني الروماني، المتميز باهتمامه بشؤون الدنيا، وبإعلائه من قيمة الإنسان؟
صحيح أن هذا الجواب الجاهز يفتح صدره أحياناً لهامش صغير ينصُّ على أن ذلك كان من خلال جسر أولي ومؤقت شكله "العرب" فتعرف الأوروبيون من خلاله على التراث الفلسفي والعلمي اليوناني، ثم تجاوزوه سريعاً. وما نريد بيانه نحن هنا هو أن الأمر لا يتعلق بمجرد "جسر أولي ومؤقت"، بل يتعلق بسلف محرض ومؤثر ومقدم لمفاهيم وتصورات جديدة "وخارقة للعادة". ذلك أن الحقيقة التاريخية هي أن رواد الحداثة الأوروبية ظلوا ينظرون، منذ القرن الثاني عشر الميلادي وإلى القرن الثامن عشر، إلى التراث العربي الإسلامي، بنفس الاعتبار والانبهار اللذين ننظر بهما نحن اليوم إلى منجزات الحداثة الأوروبية ومفاهيمها وشعاراتها!
وبما أن موضوعنا الأساسي هو "الإصلاح" فسنركز على هذا الجانب لنبين ذلك الدور الكبير الذي كان للكتب العربية التي ترجمت إلى اللاتينية أو عُملت لها ملخصات، في تأسيس فكرة الإصلاح وتعهدها ونشرها. سنترك مجال الفلسفة والعلم إلى مقال آخر لنركز على جانب لم يحظ بالاهتمام الذي يستحقه، وهو الدور الذي كان، في هذا المجال، لترجمة معاني القرآن الكريم إلى اللاتينية، ثم إلى اللغات الإقليمية في أوروبا.
يحدثنا الباحثون الأوروبيون المختصون في فكر القرون الوسطى وفكر النهضة (الأوروبية) أن المبادرة إلى ترجمة القرآن إلى اللاتينية قد جاءت من أحد رجال الدين المسيحي، وأن الدافع إليها كان التعرف على الإسلام لمقاومته. وكان ذلك في إطار الصراع الطويل المرير بين دولة الإسلام في الأندلس وبين جاراتها، وكانت كلها مسيحية تحت قيادة الإمبراطورية البابوية الرومانية. وفي إطار هذا الصراع الذي كان دموياً، حروباً وغزوات، قام بطرس الجليل رئيس "دير كلوني" 1092-1156 "Pierre le venerable" بجولة في الحدود الفرنسية مع الأندلس بين عامي 1141-1143 فتعرف هناك على الإسلام والمسلمين، وخلص من هذه الزيارة إلى أنه لابد من نقل الصراع مع المسلمين إلى مجال الفكر أيضاً. قال: "يجب أن نقاوم الإسلام لا في ساحة الحرب بل في الساحة الثقافية". لقد أدرك أنه "لإبطال العقيدة الإسلامية يجب التعرف عليها (حسب تعبيره)... وإنه سواء وصفنا الضلال المحمدي -كذا- بالنعت المشين : بدعة، أو بالوصف الكريه: وثنية، فإنه لابد من العمل ضده، لابد من الكتابة ضده". وأضاف: إن "هذا السم القاتل (العقيدة المحمدية- كذا) الذي تمكن من إصابة أكثر من نصف الكرة الأرضية" يجب التصدي له بالقلم وليس بالسيف وحده.
وتحدثنا مراجعنا في هذا الموضوع في مقدمتها "ريجيس بلاشير": بعنوان "مدخل إلى القرآن" أنه حصل على مساعدة أسقف طليطلة المعروف"Raymond de Tolède"، مما مكنه من تشكيل لجنة لترجمة القرآن كان من أبرز أعضائها المدعو "بيير الطليطلي" الذي كان يجيد العربية وربما كان مسلماً تنصر. وتضيف هذه المراجع أنه مع أن الترجمة التي أنجزتها هذه اللجنة كانت ناقصة تعتمد التلخيص، فإنها لقيت إقبالا كبيراً: لقد تولى طباعتها أحد رجال "النزعة الإنسانية" من اللاهوتيين في سويسرا سنة 1543، كما ظهرت طبعة أخرى لأحد رجال هذه النزعة نفسها عام 1547. ونقلت هذه الترجمة إلى الألمانية سنة 1616 ثم إلى الهولندية سنة 1641. وفي سنة 1641 قام الفرنسي أندري دي ريي "André du Ryer" الذي قضى في مصر كقنصل لبلاده سنوات تعلم خلالها اللغة العربية، قام بنقل هذه الترجمة إلى الفرنسية بأسلوب مبسط تحت عنوان "قرءان محمد" Alcoran de Mahomet. "وقد استقبلت بترحاب كبير لأن الجمهور كان يومئذ مهتماً بالعالم الإسلامي أكثر مما يتصور عادة". ثم توالت طبعات هذه الترجمة بحيث صدرت خلال خمس سنوات خمس طبعات على الأقل في باريس وأمستردام. ثم ظهرت ترجمة إلى الإنجليزية عام 1688 وإلى الهولندية عام