إذا قلبت صفحات تاريخ الشرق الأوسط بالأمس البعيد ، ستجد أن أهم مراحله التكوينية، هي الدولة القومية والاستقلال، والقضاء على الأمية، والتنمية، وقد تأثر كثيراً بالحرب الباردة بين القطبين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة، وأيضاً بالحرب الباردة العربية بين الدول الملكية والجمهورية، وقيام دولة إسرائيل، والصراع العربي معها. وأراهُ بالأمس القريب الممتد من 1979 إلى اليوم بأنه "الشرق الأوسط" الذي أصبح المسرح الأكبر للتدخل الأميركي من حيث تواتر التدخل ودرجته، فعلى سبيل المثال عملية إنقاذ الرهائن الأميركيين في إيران عام 1979، الانتشار في لبنان عام 1982 وغارات "إلدورادو" عام 1986 على ليبيا، ورفع العلم الأميركي على ناقلات النفط ومرافقتها في الخليج في عامي 1987و 1988، وحرب الخليج عام 1990، ثم احتواء العراق إلى سقوط "البعث" العراقي واحتلال العراق، وأخيراً الدور في ثورات "الربيع العربي". ففي الحقبة الممتدة من 1979 إلى اليوم نستطيع حصر الأهداف والمصالح الأميركية "كما تضعها المؤسسات الأميركية المعنية" بأن الشرق الأوسط يشكل مصالح كبرى للسياسة الأميركية، والتي تشمل المحاور التالية، بقاء إسرائيل وإتمام عملية السلام في الشرق الأوسط، النفاذ إلى النفط، الحيلولة دون بروز مهيمن إقليمي ذي توجه عدواني "وهنا بالتحديد يأتي دعم موسكو وبكين لبروز إيران لزعزعة الدور الأميركي"، منع انتشار أسلحة الدمار الشامل، تشجيع الإصلاح السياسي والاقتصادي بواسطة الاستقرار الداخلي، السيطرة على الإرهاب. وتعد بعض هذه المصالح مشتركة بين معظم دول المنطقة والولايات المتحدة. تدخل الولايات المتحدة لا يأتي من منظور المصالح الأميركية المنفردة بل المتقاطعة والمشتركة مع معظم، أو أهم دول الشرق الأوسط، وهذ المنظور لا يبحث عن الموارد والمكاسب الاقتصادية، بل أيضاً عن استقرار المنطقة، ويحاول النفوذ الأميركي التفوق على المنافسين الدوليين كروسيا والصين في القوة والحضور السياسي والاقتصادي. حقيقةً الحضور الأميركي في المنطقة يعتبر ركيزة أساسية لاستقرار المنطقة التي يتصارع عليها العديد من دول الشرق الأوسط ودول أخرى من خارج المنطقة، بسبب الموارد الطبيعية والأسواق والموقع الجيواستراتيجي. تحمل المنطقة عوامل كثيرة تقود بها إلى حالات عدم الاستقرار في الوقت الحاضر وفي المستقبل القريب، وهو الذي يمثل حملاً على دول المنطقة وواشنطن التي مثلت الكثير من العامل الحاسم لاستقرار المنطقة ولو بشكل مؤقت. وتعرض هذه المقالة أهم تلك العوامل. الزيادة السكانية: يمتاز النمو السكاني في الشرق الأوسط بالارتفاع والذي يسبب ضغطاً على النمو الاقتصادي وعلى تلبية الحاجات الضروري لتلك الزيادة. مما لا شك فيه، أن حجم السكان ونموهم عاملان في قوة الدول وإمكاناتها، ولكن الأعداد الكبيرة للسكان في الشرق الأوسط قد تكون مصدر ضعف عندما تصحبها معدلات نمو اقتصادي قليلة. وقد تكون الدول الأكثر استقراراً وقوة في المستقبل هي تلك الدول التي تزاوج بين الضغوط السكانية والأداء الاقتصادي. إضافة إلى ذلك، فإن الزيادة السكانية في الشرق الأوسط تعكس صراعاً بين الهويات القومية والعرقية والمذهبية، وتشمل الأمثلة الساطعة على ذلك التلاشي المستمرَّ لموقع المارونيين في لبنان أمام تزايد السكان المسلمين، وتَوسعَ السكان الشيعة وحضورَهم المتزايد في دول الخليج الصغيرة، ومعدَّل المواليد المرتفع نسبياً عند الأكراد في تركيا وإيران والعراق، ومعدل المواليد المرتفع بين الفلسطينيين وعرب إسرائيل، مما يعكس الصراع مع الهوية الإسرائيلية، ناهيك عن الحضور الشيعي في دول الخليج وما يمثله من صراع، وما يحدث في مصر من بروز قوة مضادة للهوية المسيحية المصرية في ظل وصول الإسلاميين للسلطة، وهذا يقود إلى خلق نزاعات عرقية وقومية وإثنية تكون سبباً رئيسياً في عدم الاستقرار داخلياً وربما تقود إلى حالات انفصالية قد تصبح سمة الساحة الإقليمية خلال العقود القادمة. تلاشي سيطرة الدولة القومية: هنا الصراع بين الأنظمة والدولة القومية مع مجموعات عرقية ودينية وقومية، وهذا الصراع كامن في الشرق الأوسط. ومن شأن ثورة المعلومات نفسها أن تصبح دافعاً رئيسياً في المستقبل السياسي والأمني للشرق الأوسط الكبير، فهي تقوم على إبراز الهويات المذهبية والقومية والدينية في حالة صراع مع الدول القومية ومثال ذلك توافر قنوات خاصة من التلفاز والصحف للمسيحيين والشيعة والأكراد والأمازيغ وربما في المستقبل الدروز أيضاً. إعادة بناء الشرعية: ومن المحتمل أن تصبح الشرعية السياسية في المنطقة بحاجة إلى إعادة بناء وفرز عقد اجتماعي جديد، كما أن أقوى شرعية سواء أكانت ملكية أو جمهورية هي التي نجحت في الاتصال والتواصل الدائم لمتطلبات الشعب وتلبيتها وبذلك أصبحت شرعية تلك الأنظمة متماسكة في عقدها الاجتماعي، ونجاح النظام في أي كيان سياسي في إطار دولة ما يعتمد في خلق دولة الرفاهية والعدالة الاجتماعية. إذ ستكون بعض الأنظمة في المنطقة تواجه مشروعية النظام، والتي ربما تكون تحت ضغط متزايد من عدة جهات تتراوح من عدم القدرة على مواجهة المشكلات الاقتصادية والاجتماعية الضاغطة إلى أزمات الهوية وبناء القومية القطرية. وقد زالت العديد من الطرق التقليدية لمشروعية الأنظمة مثل الصراع ضد المحتل، والقومية العربية، والنزاع العربي الإسرائيلي و"عدم الانحياز" أو أبدت مؤشرات على الزوال. الإسلام العابر للقومية: تسعى الحركات الإسلامية على خصخصة الإسلام لجماعاتها والتي أصبح يُنظر إليها من قبل الكثير من المسلمين على أنها الجواب المشروع الوحيد لمشكلات المجتمع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. وستكون لنمو الحركات الإسلامية وإمكانية بروز أنظمة إسلامية جديدة انعكاسات كبيرة محتملة على النزاع في مجتمعات الشرق الأوسط وبين العالم الإسلامي وبين الغرب أيضاً. فالتيارات الإسلامية السُنية والشيعية على حد السواء، تتجاوز سيادة الدول وتزعزع أمنها فهناك اتصال عابر للقومية للشيعة في المنطقة والمركز بطهران، كما أن "الإخوان المسلمين" لهم اتصالات وحلقات ومحافل تجمعهم مع جماعات مغرر بها. وهنا فإن خصخصة الإسلام لجماعات وأحزاب يأتي في حالات تصادم مع سيادة الدول، كما أن الاستقرار سيكون مهزوزاً بقدر قوة الصراع بين سيادة الدول والجماعات الإسلامية التي أصبحت تؤثر وبشكل متراكم ومتشعب على فئة من فئات شعوب المنطقة. العامل الرئيسي لحالات عدم الاستقرار في الشرق الأوسط هو الصراع بين سيادة الدولة والجماعات العرقية والدينية وقدرة الدولة على تماسكها يعتمد بشكل دراماتيكي على بناء شرعية لأنظمتها الحاكمة حتى تكون ملبية لمتطلبات الشعب والتنمية ومانعة للإنزلاق في زعزعة تلك الشرعية الممنوحة من الشعب، وهذا سيكون على درجات مختلفه بين دول المنطقة، باختلاف القدرات المادية والاقتصادية والقدرة على الإصلاح والحفاظ على المنجزات.