كانت القضية الثانية في جدول أعمال "منتدى الاتحاد" السابع متعلقة بمستقبل الاتحاد الخليجي، وقد ترددت كثيراً في الكتابة عنها، فأهل مكة أدرى بشعابها، غير أنني انتهيت إلى أن مساهمة العرب غير الخليجيين بالفكر ووجهات النظر في الطريق إلى إنجاز تاريخي بحجم قيام اتحاد بين الدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي قد تكون لها فائدة ما على أساس أن المراقب الخارجي قد يرى أحياناً ما لا يراه المنغمس في القضية موضع التحليل، وتذكرت أن تأسيس مجلس التعاون لدول الخليج العربية في 1981 لم يلق حماساً عربياً كبيراً على أساس الخشية من أن تكون هذه الخطوة مقدمة لعزلة الخليج عن الوطن العربي، مع أن تأسيس المجلس لم تكن له مبررات داخلية فحسب وإنما كان الإطار الخارجي المحيط بدول المجلس يحمل كثيراً من نذر الشر، مثل الأثر السلبي الممكن حدوثه على استقرار دول المجلس بسبب الثورة الإيرانية، واشتعال الحرب العراقية- الإيرانية وتصاعدها المستمر، واقتراب "الخطر السوفييتي" من الخليج بعد تدخل الاتحاد السوفييتي في أفغانستان. غير أن عقد الثمانينيات من القرن الماضي لم يكد ينتهي حتى نشأ تجمعان فرعيان آخران لتسقط بذلك تهمة العزلة عن مجلس التعاون الخليجي، فقد نشأ مجلس التعاون العربي بين كل من مصر والعراق والأردن واليمن، ونشأ الاتحاد المغاربي بين دول شمال أفريقيا العربية باستثناء مصر، وأصبحت صيغة "التجمعات الفرعية" لدى الكثيرين هي نداء المستقبل، حيث إن هذه التجمعات قادرة على تحقيق الوحدة بين أعضائها بعد أن تعثر مشروع الوحدة العربية بمعناها الشامل. غير أن الأمر لم يكن كذلك بالضرورة، إذ لم تقدم التجمعات الثلاثة التي نشأت صيغة للعلاقة بين أعضائها أقوى من صيغة الجامعة العربية، كما أنها -باستثناء مجلس التعاون لدول الخليج العربية- كانت تعاني من عدم تجانس واضح أو تناقض بين أعضائها، ولذلك كان مجلس التعاون لدول الخليج العربية هو التجمع الفرعي الوحيد الذي صمد، وكان هذا أيضاً أمراً متوقعاً بالنظر إلى التشابه الشديد بين أعضائه اجتماعياً وسياسياً واقتصادياً وثقافياً، ومع ذلك فقد كانت هناك مشكلة في بطء الإنجاز، ولو أن أحداً قد قارن بين إنجاز الاتحاد الأوروبي بعد عقدين من وضع أولى لبناته وبين مجلس التعاون الخليجي بعد عقدين من تأسيسه لهاله الفارق بين الحالتين، وكذلك ظهر بعض الاختلافات السياسية بين الأعضاء في عدد من الأمور من أهمها توجهات السياسة الخارجية، ومن هنا ظهر الإحساس بأن المجلس في حاجة لدفعة قوية، وقد تكررت المحاولات في هذا الصدد، ولكن الإنجازات مع ذلك ظلت غير مكتملة كما ظهر في مشروع العملة الخليجية الموحدة، وظل الحال كذلك إلى أن تقدم العاهل السعودي في القمة الخليجية الأخيرة بمبادرة لتحويل المجلس إلى اتحاد خليجي، وقد تم الترحيب بها والموافقة عليها من قبل الأعضاء وإحالتها إلى لجنة لدراسة التفاصيل. كما كان الحماس العربي عالياً، وبالذات من مثقفين قوميين رأوا في قيام اتحاد خليجي إنجازاً كبيراً يبعث الأمل في إمكان إعادة طرح مشروع الوحدة العربية على جدول الأعمال العربي، فضلاً عن أهمية قيام كيان خليجي قوي في منطقة تموج بالتحديات والمخاطر الخارجية. غير أن شيئاً محدداً لم ينتج عن هذا كله حتى الآن، ومن المؤكد أن هناك اختلافات بين الأعضاء على عدد من التفاصيل، وأحياناً على الفكرة نفسها، غير أن الأنظار مع ذلك تبقى مشدودة إلى القمة الخليجية القادمة لعلها تحمل الجديد بالنسبة لفكرة الاتحاد الخليجي. والحقيقة أن العقبات التي تواجه تحويل الاتحاد الخليجي من فكرة إلى واقع عديدة ولا تقتصر على داخله فحسب، وإنما تمتد إلى بيئته الخارجية. وبصفة عامة فإن ثمة معضلات داخلية وخارجية يواجهها أي عمل وحدوي، ومن أهم هذه المعضلات: معضلة التوازن ومعضلة التباين ومعضلة البناء المؤسسي ومعضلة الخطر الخارجي. أما معضلة التوازن فتنشأ حيث لا توجد جماعة من الدول ترغب في تأسيس للتكامل والوحدة فيما بينها، وتكون متساوية في كل شيء، ولنذكر الاتحاد الأوروبي الذي يضم كلاً من ألمانيا ومالطة على سبيل المثال، ومن هنا تنشأ المعضلة: هل يرضى الكبير بوضع المساواة مع القوى الأصغر منه، خاصة إذا كانت لا تدانيه في أي بعد من أبعاد القوة؟ وهل تأمن القوى الصغيرة والمتوسطة للكبير إذا ترجم وضعه إلى مكانة متميزة داخل الاتحاد؟ يواجه الاتحاد الخليجي هذه المعضلة في العلاقة بين السعودية وبين باقي أعضاء الاتحاد، وإن كان مما يخفف منها أن القدرات الاقتصادية لثلاث دول على الأقل متقاربة، ولتكن لنا في الاتحاد الأوروبي أسوة، فكلٌ من اللجنة الأوروبية والبرلمان الأوروبي يأخذان في حسبانهما أوزان الدول سكانياً، ولذلك فاللجنة الأوروبية (الأقرب إلى أن تكون حكومة الاتحاد) يُعطىَ كلُ عضوٍ فيها عددٌ من الأصوات يتناسب مع عدد سكانه ومكانته الاقتصادية، غير أن البراعة هنا هي أن الأغلبية المطلوبة للموافقة على أي قرار تضمن عدم سيطرة الدول الكبرى أو الصغرى على هذه الأغلبية، كما أن القرارات ذات الطابع الاستراتيجي يُشترط فيها التوافق، وقد يكون في هذا البديل الأخير حل لمعضلة التوازن في الاتحاد الخليجي. وبعد معضلة التوازن تأتي معضلتان أخريان لا تعاني منهما الدول الخليجية بحمد الله، وهما معضلة التباين بين الأعضاء (في النظم السياسية والاقتصادية والنظام الاجتماعي والثقافة وما إلى هذا) ومعضلة المؤسسية (بمعنى الخوف من أن تكون درجة المؤسسية لدى الدول التي تزمع إنشاء اتحاد فيما بينها متدنية بحيث ينعكس ذلك على بنية الاتحاد)، فالدول الخليجية متشابهة إلى أبعد الحدود في تلك المتغيرات التي سبقت الإشارة إليها، كما أن خبرة إنشاء المؤسسات وانتظام عملها في مجلس التعاون الخليجي تجعل الاتحاد الخليجي بمنأى عن معضلة المؤسسية. غير أن المعضلة الأخيرة وتتعلق بالإطار الخارجي للاتحاد ينبغي التحسب لها، صحيح أن العوامل الداخلية هي الأساس في أي عمل وحدوي ولكن المخاطر الخارجية على تنوعها يمكن أن تكون معوقاً مهماً للاتحاد واستمراره، وبالنسبة للاتحاد الخليجي يبرز الموقف الإيراني المعادي لفكرة الاتحاد، والذي قد يعمل من ثم على تخريبه، وأغلب الظن أن هذا العداء يرجع لاعتبارين: أولهما توازن القوى الجديد في منطقة الخليج الذي يمكن أن ينشأ بعد إقامة الاتحاد، ويقلل بدرجة ملحوظة من الخلل في التوازن لصالح إيران في علاقتها بكل دولة على حدة، والثاني هو موقف إيران الملتوي من البحرين، فهي تدعي رسمياً الاعتراف بها لكن إشارات خبيثة تصدر من طهران بين الفينة والأخرى تظهر رغبتها الدفينة في ضم البحرين إليها، ولذلك فالتحسب لهذا الموقف الإيراني مطلوب وبإلحاح. ليست إقامة الاتحاد الخليجي بمسألة مستحيلة إذن، وإن كانت تحوطها -كأي عمل وحدوي طموح- صعوبات يمكن التغلب عليها دون شك، وأن مناقشة هذه الصعوبات في منتدى رفيع المستوى كـ"منتدى الاتحاد" يمكن أن تكون ذات فائدة جمة في إيجاد حلول لهذه الصعوبات، ولذلك يجب أن تتسع المناقشة لتشمل أكبر عدد ممكن من المراكز البحثية الخليجية والعربية ومن رجال الفكر والاستراتيجية في الخليج والوطن العربي.