صدمةٌ قوية تلقاها لبنان، وغيبت خزينة أسراره الأمنية، خلال العملية التفجيرية الغامضة التي أودت بحياة اللواء وسام الحسن، رئيس "فرع المعلومات" (المخابرات العامة) في قوى الأمن الداخلي اللبناني، يوم الجمعة الماضي. صدمةٌ تواصلت ارتداداتها، السياسية والإعلامية والأمنية، ولم تتوقف إلا للتعليق على خبر اختيار العقيد عماد عثمان على "رأس فرع المعلومات"، خلفاً للواء المغدور، حيث أعلن مدير قوى الأمن الداخلي، اللواء أشرف ريفي، تعيين العقيد عثمان رئيساً للفرع، وحيث علّق ريفي نفسه بالقول إن عثمان هو الأقرب إلى شخصية وسام الحسن؛ إذ عمل معه لفترة طويلة، وكانا متجايلين تقريباً. كما علّق سعد الحريري على قرار التعيين بالقول إن العقيد عثمان يعرف مهنته جيداً، وإنه رجل مؤسساتي يعمل لمصلحة الدولة. وغداة تعيينه يوم الاثنين الماضي رئيساً لفرع المعلومات، كان العقيد عماد عثمان رئيساً لقسم المباحث الجنائية الخاصة في الشرطة القضائية، المسؤول عن مكافحة السرقات الدولية والجرائم المالية وانتهاكات الملكية الفكرية والمعلوماتية، وهو المنصب الذي شغله منذ أوساط 2011، خلفاً للعميد ديب طبيلي الذي عُين قائداً لشرطة بيروت. وكما نشرت الصحافة اللبنانية، فقد حقق العقيد عثمان خلال خدمته في قسم المباحث الجنائية الخاصة، عدة إنجازات مهمة، حيث ساهم في مكافحة الإرهاب، وتمكن من ملاحقة وتوقيف عصابات منظمة تمتهن سرقة السيارات والاتجار بالمخدرات والتزوير والسطو المسلح. وقد انكبّ الرجل الصلب، كما يصفه العارفون، على كشف شبكات لسرقة السيارات، ضمنها شبكة لبنانية لتهريب المركبات من أوروبا إلى لبنان، وبجهوده في هذا الملف وما قدمه من معطيات مهمة، اكتشف الإنتربول الدولي الشبكة العالمية الأساسية الكامنة وراء العصابة التي قبض عليها عثمان. كما تعاطى بصرامة مع جرائم تزوير بطاقات الائتمان، وعصابات تبييض الأموال، وعمليات التزوير الإلكتروني، وسحب الأرصدة المصرفية. وقد انتسب عماد محمود عثمان، ابن بلدة الزعرورية (إقليم الخروب)، إلى سلك الأمن الوطني اللبناني في يناير 1984، برتبة تلميذ ضابط، وتدرج في الرتب حتى نال رتبة عقيد عام 2006. وخلال 28 عاماً من الخدمة والخبرة، عمل عثمان في عدة مواقع أمنية؛ مثل سرية الطوارئ، وفصيلة طريق الجديدة، وسجن بيروت، وفصيلة الدامور، وفصيلة زقاق البلاط، وفصيلة البسطة، وفصيلة المصيطبة، ومفرزة طوارئ الجنوب، ومفرزة سير بيروت الأولى، وسرية حرس رئاسة الحكومة، ومجموعة حماية ومواكبة رئيس الحكومة، ومكتب وزير الداخلية، وشعبة المعلومات، وأخيراً المباحث الجنائية الخاصة. وقد تابع عثمان عدة دورات تخصصية وأخرى أمنية في الخارج، وهو يتقن الإنجليزية والفرنسية، كما نال عدداً من الأوسمة، مثل وسامي فجر الجنوب والوحدة الوطنية، ووسام الأرز الوطني من رتبة (فارس)، وميدالية الجدارة، ووسام الاستحقاق اللبناني من الدرجة (الثانية)، وميدالية الأمن الداخلي، وميدالية وزارة الداخلية والبلديات. وقد تم تعيين عماد عثمان رئيساً لفرع المعلومات بعد مشاورات رئيس الحكومة نجيب ميقاتي ووزير الداخلية مروان شربل، على ضوء مقترح من مدير عام قوى الأمن الداخلي اللواء أشرف ريفي الذي أثنى على كفاءات العقيد عثمان و"شخصيته المتزنة"، وقال إنه "النسخة المطابقة" للواء وسام الحسن. وقد عكست مسيرة الرئيس الجديد لفرع المعلومات الثقةَ التي كان يوليها له سلَفه والأدوار التي اضطلع بها إلى جانبه منذ أن كانا معاً في سرية حرس رئيس الحكومة رفيق الحرير أواسط التسعينيات، ثم تولّيا أمنه الشخصي خلال الفترة التي ترك فيها رئاسة الحكومة قبل اغتياله في 14 فبراير 2005. لكن قبل حادثة الاغتيال بوقت قصير، أصبح عثمان -وكان برتبة رائد- مديراً لمكتب وزير الداخلية حسن السبع، ومن ذلك الموقع شارك في التنسيق بين وزارة الداخلية وفِرق التحقيق في جريمة اغتيال الحريري، وبقي في منصبه حتى عام 2009 عندما كان أحمد فتفت يتولى حقيبة الداخلية. ومع وصول سعد الحرير، زعيم "تيار المستقبل"، إلى رئاسة الحكومة عقب انتخابات يونيو 2009، اختاره لقيادة سرية الحرس الحكومي، بتزكية من اللواء الحسن الذي نُقل عنه مراراً قوله في مجالسه الخاصة -وفقاً للصحافة اللبنانية أيضاً- إنه يريد تعيين عثمان خلفاً له في رئاسة شعبة المعلومات، في حال توليه منصب المدير العام لقوى الأمن الداخلي خلفاً للواء ريفي بعد خروج الأخير إلى التقاعد. وقد عُين خلفاً له بالفعل، لكن وفق سيناريو آخر ربما لم يخطر على بال اللواء الحسن نفسه! لقد مثّل اغتيال رئيس شعبة المعلومات السابق، الاغتيال الثاني الأهم والأخطر بعد اغتيال رفيق الحريري؛ فاللواء الحسن لا يمثل فقط موقعاً متقدماً في النظام الأمني اللبناني لمرحلة ما بعد انتهاء نظام الوصاية السورية، وإنما يمثل كذلك "معادلة أمنية سياسية" في لبنان. لذلك فقد شعر السنّة وفريق 14 آذار بخسارة سياسية وانكشاف أمني، وجاء رد فعلهم سريعاً وكبيراً بحجم الخسارة، ولذلك أيضاً أتيح لسعد الحريري تسمية بديل عن اللواء الحسن هو العقيد عثمان، وإن كان الثمن المطلوب في هذه اللحظة، ومن وجهة نظر 14 آذار، هو "رأس" ميقاتي نفسه! ويبقى السؤال معلقاً: هل تكتفي المعارضة بذلك الثمن، أي تعيين عثمان في منصبه الجديد، مقابل التخلي عن المطالبة بإقالة الحكومة؟ وربما أهم من ذلك: هل يطلع العقيد عثمان بمهمات اللواء الحسن، بذات النوعية ومستوى الكفاءة؟ محمد ولد المنى