شهدت الحالة الكويتية تطورات وسط حراك غير مسبوق هذا العام، وذلك على خلفية حل مجلس الأمة الثالث عشر في ديسمبر 2011 وانتخابات مجلس الأمة الرابع عشر في الثاني من فبراير 2012، والذي تمخض عن انتصار للمعارضة الكويتية في تحالف الإسلاميين والقبائل، وتراجع في ثقل وحضور الليبراليين والشيعة. تلا ذلك مواجهات واستجوابات واحتقان متصاعد، وهو ما بات يصبغ العلاقة بين مجلس الأمة والحكومة، وأتى حكم المحكمة الدستورية مؤخراً ببطلان مجلس عام 2012 ، وإعادة المجلس المنحل ليزيد من مؤشر التصعيد والتوتر في المشهد السياسي الكويتي الذي لا يفتقد لعنصر الإثارة. نعم... ما يجري في الكويت هو شأن كويتي يعكس حالة الحراك السياسي ومشاحناته ومواجهاته والصراع الداخلي الدائم للقوى السياسية الكويتية من مختلف الألوان والخلفيات الإسلامية والقبلية والليبرالية والشيعية. وقد انضم مع موجة الربيع العربي- الشباب الناشط والمتأثر بالحراك العربي الذي، كما أوضحت في مقالات عديدة أنه يرفع سقف المطالب. لكن الحقيقة الواضحة هي بقاء الثوابت في العلاقة الشرعية والوثيقة بين الحاكم والأسرة الحاكمة- من جهة منذ عهد صباح الأول في عام 1756، إلى عهد الأمير صباح الأحمد الحالي خلال أكثر من 250 عاماً من العلاقة الوثيقة للطرفين في الكويت. خلال العامين الماضيين سطرت على صفحات "وجهات نظر" في الاتحاد العديد من المقالات التي تناولت الشأن الكويتي، بالإضافة إلى دراسات علمية- أكاديمية باللغتين العربية والإنجليزية نشرت وستنشر في الكويت والولايات المتحدة الأميركية عن الحالة الكويتية. والتي تؤكد ما ورد في مقدمة هذه المقالة. ففي مقالات نُشرت في الاتحاد يوليو الماضي بعنوان"الحالة الكويتية وصيف التغيير العربي" شرحت الحالة الكويتية وفي مقالة "عود على بدء" في 10 اكتوبر الماضي بعد حكم المحكمة الدستورية ببطلان حل مجلس 2009، وبالتالي عدم شرعية مجلس 2012، وبالتالي بطلانه وحله كأول مجلس يُحل في تاريخ الكويت بحكم من المحكمة الدستورية في الكويت وإعادة مجلس الأمة الذي تم حله في ديسمبر الماضي كخامس مجلس يُحل خلال السنوات الست الماضية. وهو المجلس الذي تم حله مرتين في ديسمبر 2011 وفي أكتوبر 2012. علقت في يوليو الماضي في مقالة حمل عنوان "الحالة الكويتية وصيف التغيير العربي"، إن "ما جرى في الكويت، فتح المجال أمام الباحثين والإعلاميين والمعلقين للتساؤل: هل جاء دور الكويت للانضمام لموجة "الربيع العربي"؟ حتى أحد الكتاب الأجانب كتب في إحدى الصحف اللندنية أن "الربيع العربي" لن يحصن ولا يكتمل وتصبح الثورات العربية آمنة إلا بوصولها لدول الخليج.. وقد سجلت اعتراضي على هذه الفرضية في تغريدة لي على حسابي في التوتير..مختلفاً مع ذلك الطرح... وكنت قد سطرت العديد من المقالات باللغتين العربية والإنجليزية حول ذلك المضمون. كتبت في الاتحاد في 12 ديسمبر 2011 "ما يجري في الكويت ليس ربيعاً عربياً" وفي 6 فبراير 2012 كتبت أن ما يجري في الكويت هو"حراك كويتي وليس عربياً". وختمت مقال يوليو الماضي في الاتحاد بالتعليق على أسباب الاحتقان الدائم والصراع المفتوح بين القوى السياسية والحكومة الكويتية بالتأكيد أن"المناخ السياسي المأزوم في الكويت، وغياب الأغلبية لدى الطرف الحكومي والبرلماني والصراع بين السلطتين، خاصة منذ عام 2006، والتي تسببت بتشكيل واستقالة تسع حكومات وتغيير ثلاثة رؤساء حكومات، وانتخاب وحل خمسة مجالس أمة والسادس يجري الإعداد لانتخابه قريباً...يُعقَد الأوضاع ويطرح مقاربة "الربيع العربي" لغير المتابعين للشأن الكويتي. ومرة أخرى مع عودة موجة المواجهات في الأسبوع الماضي، بعد توجيه أمير دولة الكويت لمجلس الوزراء تعديل قانون الانتخابات بخفض خيارات الناخب في الانتخابات من أربعة مرشحين إلى مرشح واحد، وإصدار مرسوم ضرورة بذلك، ما أعاد المواجهات والتحدي واللجوء إلى الشارع في مواجهات جديدة، وبأعداد أكبر ورفع السقف واعتقال لنواب سابقين وناشطين لتجاوزهم الخطوط الحمراء، وتناول مقام ومكانة أمير دولة الكويت، علماً بأن الذي يحصن ذلك المقام الدستور الكويتي الذي أقر أن "ذات الأمير مصانة لا تمس." وهو أبو السلطات جميعاً. ومرة أخرى وسط هذه الموجة من المواجهات والتصعيد بين الطرفين. وبالرغم من إصدار المحكمة الدستورية قبل سنوات حكماً يلغي قانون التجمعات الذي يحظر التجمعات قبل سنوات".. وبناء على إبقاء المحكمة الدستورية على مواد في قانون التجمعات الذي يحظر التجمع في المواكب والمظاهرات والتجمعات. أصدرت وزارة الداخلية بناء على المادة 12 في قانون التجمعات: "المواكب والمظاهرات والتجمعات، التي تقام أو تسير في الطرق والميادين العامة التي يزيد عدد المشتركين فيها عن عشرين شخصاً، ويُستثنى من ذلك التجمعات المطابقة لعادات البلاد، والتي لا تُخالف النظام العام أوالآداب." وهذا مرة أخرى دفع الناشطين والباحثين والمحللين والمراسلين العرب والأجانب لطرح السؤال ماذا يجري في الكويت؟ وهل وصل الربيع العربي أخيراً إلى الكويت؟ وجوابي هو ما قلته مراراً وتكراراً، ما يجري في الكويت هو انعكاس لمخاض الصراع الداخلي في الكويت وسط "الربيع العربي". ما يجري في الكويت لا يسعى لإسقاط النظام القائم أو الذي لا يقمع شعبه. كما أن البعد الأهم فيما يجري هو غياب كلي للتشكيك بشرعية النظام القائم من أكثر من 250 عاما... وهذه الحقائق والمفاهيم تؤكد أن الكويت ليست في خضم "الربيع العربي". وهذا ما يؤكده سعد محيو الكاتب في الشؤون العربية والاستراتيجية في مدونته، يوم الخميس الماضي بعنوان "انتفاضة لا ربيعية في الكويت؟" وبعد أن يطرح سؤالا هل وصلت الكويت إلى نقطة تحول تاريخية؟" ويؤكد "أن الإسلاميين وحلفاءهم القبليين استقووا بالانتصارات الإسلامية الكاسحة في أكبر دولة عربية (مصر) وفي المقر العام للربيع العربي (تونس)...ليصعدوا مواقفهم المطالبة بحكومة منتخبة... إلا أن ما يجري في الكويت خاص بالكويت، وهو بالتالي ليس ربيعاً عربياً جديداً أو متكاملاً." ويكمل أن ما يجري في الكويت هو صراع بين النخب السياسية نفسها التي تتنافس على السياسة والاقتصاد منذ عقود من دون القدرة على الوصول إلى حلول ما... ويختم سعد محيو تعليقه على الحالة الكويتية في مدونته "وهذا ما يجعل الأزمة الراهنة في الكويت على رغم خطورتها وضخامة القوى المنخرطة فيها، مجرد تكرار لحوادث الماضي أكثر منها استيلاداً لمستقبل جديد.." ومع ازدياد وتيرة التصعيد والتعقيد وانسداد الأفق السياسي، يتحتم كما طالبت مراراً أن المواطن الكويتي أصبح مثقلاً بالإحباط بسبب موجات المواجهات المستمرة بين المجلس والحكومة، وهو يرى ضياعاً للفرص وتأخراً للتنمية. المطلوب من العقلاء وصناع القرار في الكويت التداعي لمؤتمر وطني وإحداث نقلة جذرية في العمل السياسي الكويتي تنتشل الكويت، ولا تسمح ببقاء النظام السياسي في الكويت رهينة للتجاذبات والمماحكات السياسية وللأجندات الشخصية والحزبية الضيقة والمحبطة!"