وصل عدد القتلى الأميركيين في العراق حتى الآن إلى ألف قتيل، بل وتجاوز هذا الرقم بالفعل. مما لا شك فيه أن ذلك يعتبر شيئاً جديراً بالنشر والاهتمام، ليس بسبب قيمته الخبرية، ولكن لأنه ينبئ عن حجم الخسائر المتوقعة مستقبلا.
وقد قام الرئيس بوش والسيناتور كيري كما هو متوقع بالترحُّم على أرواح القتلى الأميركيين في الحرب، وتوجيه العزاء إلى أسرهم.
ولكن السيناتور كيري مضى بعد ذلك للقول إن الرئيس بوش قد تجاهل نصائح العسكريين بشأن الغزو العسكري، وأن التخطيط السيئ لهذا الغزو كلف الأمة 200 مليار دولار. ورد بوش بالقول إن الأمور "تمضي على نحو جيد" في العراق، وإن أفضل تكريم يمكن أن يقدم لأرواح قتلى أميركا "هو مواصلة السير على الدرب". ولكن أياً منهما لم يتطرق- مع ذلك- إلى أين يمكن لهذا الدرب أن يقودنا.
من البديهي أن تكون عملية إعادة أعمار العراق بحاجة أولا إلى تحقيق الأمن على الأرض، وليس هناك خلاف بين الجمهوريين والديمقراطيين حول هذه النقطة. ولكن المشكلة تكمن هنا في أن أحداً لم يقم بطرح السؤال المتعلق بما إذا كانت هناك إمكانية جدية لتحقيق هذا الأمن أم لا؟ وسبب الإحجام عن طرح ذلك السؤال، هو أن الإجابة عليه ستكون بمثابة "ديناميت سياسي"، إذا ما جاز لنا القول، سواء بالنسبة لبوش أو بالنسبة لكيري.
وفي اليوم الذي سبق إعلان عدد القتلى الأميركيين في العراق، صدر في بغداد إعلان عن رقم آخر يفوق الأول في الأهمية بدرجة كبيرة للغاية. هذا الإعلان هو أن عدد الهجمات اليومية التي وقعت ضد قوات أميركا وقوات حلفائها في العراق خلال شهر أغسطس الماضي بلغ 87 هجوماً في اليوم. نعم في اليوم الواحد فقط. وقال المسؤول العسكري الذي أعلن هذا الرقم إن هذا يمثل أكبر معدل للهجمات تواجهه أميركا منذ أن قامت بشن حربها على العراق. ويذكر أن العدد الإجمالي للقتلى الأميركيين في هذا الشهر هو 63 قتيلا في حين بلغ عدد الجرحى 1000 جندي على وجه التقريب.
ولم يحدث سوى في مرتين فقط، منذ أن قام الرئيس بوش بإعلان انتهاء عمليات القتال الرئيسية وإتمام المهمة في العراق، أن وصل عدد القتلى الشهري إلى مثل هذا المعدل المرتفع. فمنذ بداية الشهر، وحتى تاريخ كتابة هذا المقال، وصل عدد القتلى من الأميركيين إلى 25 جندياً، وهو ما يشير إلى أن العدد الإجمالي النهائي من القتلى في شهر سبتمبر، قد يتجاوز عددهم في أغسطس.
واتسع نطاق القتال، وشمل المزيد من الأراضي منها محافظة الأنبار التي تقع في غرب العراق حيث سقط 44 قتيلا من الأميركيين، ومدينة سمراء التي سقط فيها 10 قتلى.
وليس عدد الهجمات فقط هو الذي تزايد بل وطبيعتها أيضاً. فحتى شهر أغسطس الماضي، فإن معظم خسائر المعارك كان يمكن إرجاعه لـ"أسباب يمكن التعرف عليها" كوضع عبوات ناسفة على جوانب الطرق، أو زرع ألغام أرضية. أما في شهر أغسطس فإن الأسباب الرئيسية لخسائر المعركة تمثلت في نيران المدافع والهجمات الانتحارية وهو ما يعني أن الاشتباك مع العدو قد أصبح يتم عن قرب وليس كما كان الأمر من قبل.
ويوم الأربعاء الماضي زعم وزير الدفاع الأميركي "دونالد رامسفيلد" أن عدد القتلى من "المتمردين والمجرمين" العراقيين قد وصل إلى 2500 قتيل خلال شهر أغسطس. وهذا التصريح يدل على حدوث تحول في مفردات "رامسفيلد"، الذين كان يقوم من قبل بوصف القتلى العراقيين على أيدي القوات الأميركية بأنهم "من فلول النظام السابق أومن الإرهابيين الأجانب".
وعموماً، يقودنا هذا إلى سؤال أساسي. هل يمكن تحقيق الأمن في العراق الذي يعد شرطاً جوهرياً لإعادة الإعمار فيه عن طريق القوات الأميركية وحليفتها القوات البريطانية حتى عندما يتم تقديم الدعم لهذه القوات من قبل قوات عراقية "مشكوك في كفاءتها وفي ولائها"؟.
هناك حوالي 180 ألف جندي أميركي وبريطاني في العراق في الوقت الراهن "كل القوات الأجنبية الأخرى في العراق أو معظمها على الأقل مكلفة حالياً بعمليات إعادة إعمار مدنية، أو يمارسون مهام حفظ السلام وبالتالي غير متاحين للقتال".
وهناك في المقابل 23 مليون عراقي، تشير كافة الأدلة المتوافرة، على أن الأغلبية الكاسحة منهم ترغب في أن تقوم القوات الأميركية والقوات الحليفة لها بمغادرة العراق.
من بين هؤلاء الثلاثة وعشرين مليون عراقي، فإن الأقلية المنخرطة في أعمال قتال ضد القوات الأميركية هي التي أنتجت هذا الوضع الأمني المتدهور. فمما يشار إليه في هذا الصدد أن هناك عدة مدن رئيسية بما في ذلك جزء من مدينة بغداد ذاتها قد أصبحت تحت سيطرة جماعات معادية بعضها من الشيعة المتطرفين وبعضها الآخر من السنة الأصوليين على الطريقة "الطالبانية"، وبعضهم من "فلول النظام السابق"، على حد وصف "رامسفيلد"، والجزء المتبقي لا يزال بحاجة إلى تعريف.
إذا ما قارنا الوضع في العراق بالوضع في فيتنام في الستينيات والسبعينيات فسنجد أن عدد السكان الفيتناميين كان يبلغ 19.6 مليون نسمة، وأن عدد القوات الأميركية هناك في ذروة الحرب قد و