كشف العلماء مؤخراً أن ارتفاع درجات حرارة مياه المحيطات بشكل كبير وصل إلى 40 درجة مئوية قد يكون وراء أكبر انقراض جماعي للكائنات الحية شهدته الأرض في تاريخها الطويل، وهو ما أشار إليه عالم الأرض، "بول ويجنال"، بجامعة "ليدز" البريطانية قائلاً: "قد نكون عثرنا على حقبة من أكثر الحقب سخونة في تاريخ الأرض"، الأمر الذي يفسر أيضاً الانقراض الجماعي، أو ما يسمى بالموت العظيم، الذي شهده العصر "البرمي" قبل ما يقارب 250 مليون سنة، حيث أدت التغيرات المناخية التي عرفها كوكب الأرض في تلك الحقبة السحيقة إلى موت أكثر من 95 في المئة من كائناته الحية. ومن العوامل التي يعتقد العلماء أنها سرعت في عملية الانقراض الجماعي للأنواع الحيوانية المختلفة النشاط البركاني في سيبيريا بحممه البركانية التي غمرت 2.7 مليون ميل مربع، وهي مساحة تناهز حجم أستراليا، هذه الحمم البركانية الكثيفة، قد تكون أطلقت غازات أدت بدورها إلى تدمير غشاء الأوزون الذي يحمي الأرض. وبعد انتهاء العصر البرمي وما صاحبه من انقراض كبير في الكائنات الحية تشكلت منطقة يطلق عليها المنطقة الميتة تمتد، حسب "ويجنال"، على مدة زمنية تصل إلى خمسة ملايين سنة لم تشهد فيها الأرض تعافياً من مأساتها، كما عرفت تنوعاً بسيطاً في الكائنات الحية، ويُرجح العلماء أن تلك المرحلة الميتة من تاريخ الأرض صاحبتها درجات كبيرة من الاحتباس الحراري، غير أن الدرجات الدقيقة التي وصلها الاحتباس ظلت غير مؤكدة، وهو ما دفع العلماء اليوم للنبش فيما تبقى من مستحاثات في أعماق الأرض، التي يرجع تاريخها إلى ما بين 253 و245 مليون سنة. وقد ركز العلماء في بحثهم على دراسة نظائر العناصر الكيميائية، لا سيما تلك التي توثق نسبة الأكسجين في المستحاثات، فكلما ارتفعت درجة حرارة الطقس اعتمدت الحيوانات البحرية خصوصاً على نظائر خفيفة من الأكسجين، ولمعرفة درجات الحرارة المضبوطة التي سادت قبل 250 مليون سنة عكف الباحثون على الكشف عن ذرات الأكسجين على سطح بقايا بعض المستحاثات التي تم العثور عليها جنوب الصين. وقد تم التعرف على درجات الحرارة المختلفة في البحار تبعاً للكائنات التي تعيش في كل مستوى من مستويات العمق، وفي هذا السياق يقول "ويجنال" "كان علينا تصفية الأطنان من الحجارة للعثور على كائنات صغيرة، ورغم الفكرة الراسخة بأن الانقراض الكبير خلال العصر "البرمي" كان وراءه الارتفاع الهائل في درجات الحرارة، إلا أنه لا أحد اهتم بتحديد تلك الدرجة وتدقيقها"، ويتابع "ويجنال" أن النتيجة كانت مذهلة "فقد توصلنا إلى درجات حرارة رهيبة تفوق ما سجل على مدار 600 مليون سنة الأخيرة من تاريخ الأرض. ونعتقد أن السبب الرئيسي لظهور المنطقة الميتة عقب العصر البرمي هو درجات الحرارة المرتفعة جداً، لا سيما في المناطق الأستوائية". وبحسب ما توصل إليه العلماء، فإن درجة حرارة الجزء الأعلى من المحيطات قد بلغت 38 درجة مئوية، في حين تجاوزت تلك حرارة على سطح المحيط 40 درجة مئوية، وللمقارنة فقط لا تتعدى درجة حرارة سطح المحيطات اليوم 30 درجة مئوية في أسوأ الحالات، هذا الوضع، يوضح "ويجنال"، أدى إلى موت النباتات التي غالباً ما يتوقف لديها التركيب الضوئي في حدود 35 درجة مئوية وتموت نهائياً إذا وصلت الحرارة إلى 40 درجة مئوية، وهو أيضاً ما يفسر وفقاً للعلماء غياب سجل للنباتات يعود إلى ما بعد العصر البرمي، أو وجود فحم حجري يرجع إلى تلك الحقبة. وفي ظل غياب نباتات تمتص ثاني أكسيد الكربون من الجو، فإن نسبة كبيرة منه ستبقى في الأجواء لتفاقم الاحتباس الحراري، ولترتفع درجات الحرارة في النهاية إلى نسب قصوى، هذا الارتفاع الكبير في الحرارة يفسر، حسب العلماء، غياب أي نوع من أنواع الحياة في المنطقة الأستوائية لأنها شهدت تركزاً كبيراً لغاز ثاني أكسيد الكربون وزيادة مهمة في درجات الحرارة قضت على النباتات وباقي الكائنات الحية. وفيما توجهت الكائنات الكبيرة مثل الزواحف وغيرها إلى الشمال ظلت تلك الصغيرة والمجهرية في مكانها بسبب قدرتها الكبيرة على مقاومة درجات الحرارة المرتفعة. والنتيجة النهائية للدراسة العلمية، أن الارتفاع الكبير لدرجات الحرارة الناجم عن الاحتباس الحراري يؤثر سلباً على الحياة فوق سطح الأرض، وليس أدل على ذلك من العصر البرمي والمنطقة الميتة التي تلته حيث أدى الاحتباس الحراري المتسارع إلى القضاء النهائي على مظاهر الحياة فوق الكوكب وتسبب في الانقراض الجماعي للكائنات الحية. لكن رغم استمرار ظاهرة الاحتباس الحراري بفعل التلوث، يُطمئن العلماء أننا لسنا حتى قريبين من المستويات القصوى لدرجة الحرارة التي أفضت إلى انقراض الكائنات خلال العصر البرمي. تشارلز تشوي كاتب أميركي متخصص في الشؤون العلمية ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"