هناك قضيتان قد تشكلان مصدر خلط والتباس بالنسبة للملاحظ غير المطلع، هما الاستقلال والاعتراف بالدولة، فحتى الأمم المتحدة التي تنظم مثل هذه القضايا لا تستطيع ضمان أي منهما لكيان ما، لسبب بسيط هو أن الأمم المتحدة لا تعكس أكثر من الاستعداد الحقيقي للدول الأعضاء. وفي حالة فلسطين فإن إسرائيل وحدها، باعتبارها القوة المحُتلة، تستطيع منح الاستقلال للدولة الفلسطينية. أما فيما يتعلق بإقامة الدولة فإن الدول الأعضاء في المجتمع الدولي يمكنها الاعتراف بفلسطين كدولة على غرار باقي الدول. هذا الأمر يمكن أن يتحقق عبر الدول منفردة، أو عبر اعتراف جماعي من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة. لكن الطلب الأخير الذي تقدمت به السلطة الفلسطينية إلى الأمم المتحدة لا يسعى إلى الاستقلال بقدر ما يروم الحصول على نوع من اعتراف الأمم المتحدة. وبالطبع أثار هذا المسعى الفلسطيني غضب إسرائيل والولايات المتحدة اللتين تنظران إلى المبادرة الفلسطينية على أنها خطوة تهدف إلى عزل إسرائيل وملاحقتها قانونياً في الوكالات والهيئات التابعة للأمم المتحدة، ولتبديد هذه المخاوف وجّه رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس، رسالة إلى أوباما مؤخراً يطمئنه فيها إلى أن سعي فلسطين للحصول على وضع دولة غير عضو في الأمم المتحدة لا يروم عزل إسرائيل بقدر ما يهدف إلى تعزيز الحقوق الشرعية للشعب الفلسطيني، كما أن التحرك الفلسطيني يندرج في إطار خطة استراتيجية تسعى إلى تفادي المرور عبر مجلس الأمن الدولي حيث هددت واشنطن باستخدام الفيتو. وفي ذلك الإطار أيضاً تريد السلطة الفلسطينية الاستفادة من سابقة دولية في الأمم المتحدة تتمثل في قرار الاتحاد من أجل السلام الذي يخول للجمعية العامة التدخل عندما يعجز مجلس الأمن بسبب احتدام الخلافات بين أعضائه، لكن فقط في حالات استثنائية تهدد السلم الدولي. والحال أن عضوية فلسطين في الأمم المتحدة لا تندرج تحت هذا البند. يضاف إلى ذلك أنه وبموجب ميثاق الأمم المتحدة لا يحق للجمعية العامة الالتفاف على صلاحيات مجلس الأمن المخول بقبول طلبات العضوية وإصدار توصيات بشأنها، لذا يقول الفلسطينيون إنهم مستعدون للتنازل قليلاً والقبول بأقل من العضوية الكاملة، على أن يتم الاعتراف بهم كدولة غير عضو في الجمعية العامة. لكن السؤال: هل هذا الهدف يستحق إغضاب أميركا الماسكة بخيوط السلام في الشرق الأوسط؟ وهل يستحق أيضاً حقداً إضافياً من إسرائيل، الشريك الضروري للحصول على الاستقلال؟ هذه الأسئلة تكتسي مشروعية أكبر عندما ندرك بأن الحقوق المصاحبة للدولة الفلسطينية المستقلة، مثل المساواة والتعايش السلمي مع جارتها، قد اعتُرف بها أصلاً، فلماذا إذن لم تستفد القيادة الفلسطينية من هذا الاعتراف لتحقيق ما تسعى اليوم إلى بلوغه عبر طلب العضوية للأمم المتحدة؟ بل إن الحقوق الجماعية والفردية للفلسطينيين تم إقرارها والاعتراف بها قانونياً منذ سنوات، وإن ظلت بدون توظيف سياسي طيلة تلك الفترة ولم يُستفد منها. فنظام الانتداب على فلسطين الذي فرضته عصبة الأمم بعد الحرب العالمية الأولى ميّز وضع فلسطين باعتبار أن استقلالها مضمون ما إن تُهيأ الإدارة المستقلة التي ترعاها بريطانيا. وعقب الحرب العالمية الثانية أوصت الجمعية العامة للأمم المتحدة بموجب القرار 181 بتقسيم فلسطين، وهو القرار الذي وفر الأساس القانوني لقيام دولة إسرائيل، كما يوفر نفس الأساس لقيام دولة فلسطين. وإذا كانت الدولة الفلسطينية قد ظلت طيلة هذه الفترة مجرد حبر على ورق فليس لأنها تفتقد الشرعية أو الأساس القانوني. والأكثر من ذلك أن المجلس الوطني الفلسطيني الذي اجتمع في الجزائر العاصمة عام 1988 أعلن استقلال دولة فلسطين بالضفة الغربية وقطاع غزة مع القدس الشرقية عاصمة لها. وإذا كان الاستقلال لم يتبلور واقعاً على الأرض، فليس ذلك لأن المجتمع الدولي رفض الاعتراف بقيام الدولة الفلسطينية، لاسيما أنه بحلول 2010 كانت أكثر من مائة دولة حول العالم تعترف بدولة فلسطين، بل إن دولاً أوروبية مهمة منحت البعثات الدبلوماسية الفلسطينية في عواصمها صفة عادة ما تخصص للدول، لذا فإنه عندما يجادل عباس أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة بأن فلسطين تستجيب للمعايير الدولية الخاصة بالدولة، مثل شعب دائم وحدود واضحة وحكومة قائمة وقدرة على نسج علاقات دولية، فإنه يتحدث عن أمر معروف ومعترف به سلفاً. والحقيقة أنه من الأهداف الأساسية التي تحرك الخطوة الفلسطينية لدى الجمعية العامة، الانضمام إلى محكمة الجنايات الدولية ورفع دعاوى قانونية على إسرائيل، فبعد انضمام فلسطين مؤخراً إلى اليونيسكو، لا يوجد ما يمنعها من عضوية المحكمة الدولية، وفي هذه الحالة تستطيع رفع دعاوى قضائية على إسرائيل واتهامها بارتكاب جرائم حرب في الأراضي المحتلة. ولعل السلطة الفلسطينية تنظر إلى نموذج ناميبيا في القارة الإفريقية التي حصلت على استقلالها من جنوب إفريقيا بسبب ضغوط الهيئات الدولية. والحال أن ما ضمن نجاح ناميبيا في الحصول على الاستقلال ليس الشرعية القانونية، بل التوافق السياسي للمجتمع الدولي وغياب قوة عالمية تحمي الُمحتل. وفيما عانى الفلسطينيون ظلماً كبيراً من قبل الاحتلال والقوى الدولية الداعمة له، فإن حجم الحقوق المعترف بها دولياً للفلسطينيين يبقى أكبر من طلبهم المقدم حالياً بالحصول على وضع دولة غير عضو في الأمم المتحدة، لكن يحق للشعب الفلسطيني معرفة لماذا بعد أكثر من عشرين عاماً من التفاوض المستمر مع إسرائيل والمجتمع الدولي، لم ينل تلك الحقوق المقررة؟