في الثاني والعشرين من يونيو، تواجه الرئيس باراك أوباما وحاكم ولاية ماساشوستس السابق ميت رومني في "بوكا راتون" بولاية فلوريدا، في المناظرة الأخيرة من المناظرات العامة التي تجري بين المرشحين في إطار السباق الرئاسي. ورغم أنه كان من المقرر أن تركز المناظرة على السياسة الخارجية، إلا أن كلاً من المرشحين استخدم المناسبة كي يردد مراراً وتكراراً حججه القائلة بأن الاقتصاد هو مفتاح قوة أميركا، وأن كل واحد منهما مؤهل بشكل أفضل من الآخر لتحقيق هذا الهدف. وفيما يتعلق بقضايا السياسة الخارجية، والتي تتركز بشكل أساسي في الشرق الأوسط وجنوب غرب آسيا، كان الشيء الأكثر إثارةً للدهشة في المناظرة، هو ذلك الاتفاق شبه التام بين المرشحين بشأن ما يتعين عمله، وبشأن ما لا يتعين عمله -وهو لا يقل أهميةً- حتى تتمكن الولايات المتحدة من التعامل مع التحديات المختلفة التي تواجهها في المنطقة. وكان رومني خلال فترة العام ونصف العام الأخيرة، قد دأب على اتهام أوباما بالضعف في التعامل مع الأزمة السورية والملف النووي الإيراني، وبارتكاب أخطاء في سياسته تجاه إسرائيل وليبيا وأفغانستان. وفي مناظرة "بوكا راتون" وجد رومني نفسه يلعب دور المُوفِّق بين كافة المواقف والتوجهات من خلال موافقته على كل وصفات أوباما -تقريباً- للتعامل مع تلك الأزمات، بما في ذلك القرار الخاص بسحب قوات الولايات المتحدة من أفغانستان بنهاية عام 2014. كان واضحاً أن مستشاري رومني كانوا في غاية التلهف على كبح جماح نزعات مرشحهم العدوانية، والتأكد من أنه لن يبدو في نظر الناخبين كرجل تواق للمزيد من الحروب والمواجهات في مناطق سأم الجمهور الأميركي من الانخراط في صراعات عسكرية فيها بعد الأكلاف البشرية والمادية الفادحة التي تكبدتها قواته هناك. لم يكن في مقدور رومني أن يبدو كرئيس متهور على استعداد للعنف لأوهى الأسباب، ولكنه وهو يحاول تجنب ذلك، بدا كراكب سلبي في سيارة يقودها أوباما، وذلك من خلال موافقته الفعلية على سياسات الرئيس الحالية، وخصوصاً سياساته تجاه سوريا وأفغانستان وإيران. لم يقتصر الأمر على ذلك حيث أعلن رومني في المناظرة أنه يوافق على القرار الذي اتخذه أوباما منذ عامين تقريباً بالدعوة لإنهاء نظام "مبارك" في مصر، كما لم يكرر في هذه المناظرة انتقاده لطريقة تعامل أوباما مع الأزمة الليبية، وهو ما كان قد ركز عليه هجومه خلال الفترة الماضية. بيد أن الشيء الأكثر إثارة للدهشة، خصوصاً إذا ما أخذنا في حسباننا ما ظل يقوله هو ومساعدوه خلال الشهر الماضي، أن رومني كان مهادناً بشكل استثنائي بخصوص ما يتعين عمله بشأن سوريا، والذي اختُزل في نهاية المطاف في مجرد تعهد بإرسال قوات أميركية لدعم المعارضة الليبرالية وتزويدها بالسلاح، لكن دون أن يتضمن ذلك فرض منطقة حظر طيران. وهذا الرأي مطابق تقريباً للسياسة التي يتبعها أوباما تجاه سوريا. وفيما يتعلق بالصين، اتفق المرشحان على أن الصين لاعب عالمي مهم وقوي يتعين احترامه والعمل معه شريطة أن يعمل من جانبه على إصلاح ممارساته. خلال المناظرة لم يقل المرشحان شيئاً ذا بال عن روسيا وأوروبا وأفريقيا وأميركا اللاتينية، باستثناء الأخيرة فقط (أميركا اللاتينية) على أساس أنها قد وفرت فرصاً تجارية للولايات المتحدة. لم تكن هناك كلمة واحدة عن التغير المناخي العالمي، والكفاح المرير المستمر حالياً في آسيا، وفي الشرق الأوسط وأفريقيا، وغيرها من المناطق، للوصول إلى مصادر الطاقة، والمياه العذبة، والطعام، والأراضي. وبالنسبة للمتخصصين في شؤون السياسة الخارجية، تعتبر العلاجات المقترحة من قبل كلا المرشحين للاضطرابات في الشرق الأوسط، خصوصاً المتعلق منها بمواجهة التطرف الإسلامي، تبسيطية في مجملها. وفي بعض الأحيان كان رومني يبدو وكأنه يجَمِع كل الجماعات الراديكالية الإسلامية في حزمة واحدة، من دون إحساس بالفروق الجوهرية بين تلك الجماعات، ولا كيف أن التعامل مع كل جماعة منها يتطلب استراتيجية مختلفة. كان الإجماع الفوري لدى الجمهور الأميركي الذي تابع المناظرة أن أوباما هو الذي فاز فيها بالنقاط، وأنه قد بدا رئاسياً ومتمكناً خلالها. أما السؤال المتعلق بما إذا كانت المناظرة سوف يكون لها أي تأثير على الانتخابات التي ستنطلق خلال أسبوعين من الآن، فيبدو من الصعب الإجابة عليه في الوقت الراهن. لا شك أن المناظرة الأخيرة قد عوّضت الأداء الضعيف لأوباما خلال المناظرة الأولى، والذي جاء على نحو غير متوقع، في مقابل الأداء المتفوق والمفاجئ لرومني الذي أعاد للسباق الانتخابي روحه التنافسية مرة أخرى بعد أن كان يبدو أن أوباما في طريقه لتأمين الفوز بفترة ولاية ثانية في نوفمبر القادم. لكن من المؤكد كذلك أن المناظرة، على الرغم من تفوق أوباما بالنقاط -حسب رأي الجمهور- لم تضر بحظوظ رومني الذي يواصل سيره الحثيث نحو تضييق الفارق مع أوباما، حسبما تشير استطلاعات الرأي العديدة التي يتم إجراؤها في الوقت الراهن، وعلى وجه الخصوص في الولايات التي تعتبر من ميادين المعركة الرئيسية. وسوف يشهد الأسبوعان القادمان تكراراً لا نهاية له للخطب التي يلقيها المرشحان في سياق الحملة الانتخابية وفي محطاتها المتعددة، كما ستشهد حملات إعلانية سلبية تركز على عيوب المرشح المنافس بدلاً من التركيز على المزايا الشخصية للمرشح الذي يتم الإعلان لصالحه، وهي إعلانات تُنفق عليها عادةً مئاتُ الملايين من الدولارات. وخلال ذلك كله سوف تبدو رغبة معظم الأميركيين واضحة في أن تنتهي قريباً تلك الحملة الطويلة الممتدة، المريرة والمكلفة.