في كل حراك حضاري لأي مجتمع يكمن عامل مهم لابد من توافره حتى يتم الاستفادة من المنجزات، سواء في إطار الأفكار الخلاقة، أو المنتجات المادية التي لا تخرج إلا من عمق تلك الأفكار التي تسهم في نهضة الأمم والشعوب. وهذا العامل المهم، هو المعروف بالانفتاح، فعلماء تحليل التاريخ والحضارة الذين أخضعوا مسيرة الحضارات إلى اختيار الانفتاح، وجدوا بأن الحضارات التي دامت قروناً عدداً هي التي عمرت الكون، وإن حملت بذورها الخاصة عند المقارنة بين الحضارة العربية الإسلامية والحضارة الرومانية أو الصينية، خاصة عندما يكون التأثير الإيجابي متبادلاً. من هنا يطرح نظرية صراع الحضارات، وهل البقاء للأصلح أم للأقوى، مع أن الإصلاح أدوم، وأما القوة فهي في تذبذب وعدم ثبات؟، ولا شك بأنه كلما كانت الحضارة صالحة وقوية كانت أبقى وأدوم في التأثير لأنه منطق "القوي الأمين". يمر العالم العربي والإسلامي اليوم أمام مشهد للحضارة الغربية لا تجد حيالها حيلة أو طريقة للتفاعل معها إلا عبر استيراد المنتجات الاستهلاكية، لأنه لم يصل إلى مرحلة صناعة الأفكار التي يمكن تصديرها إلى منتجي الحضارة الغربية لغرض استفادة الجانبين منها، لذا يقف البعض عند نقطة الاندهاش والانبهار، ولا يملك وسائل القفز عليها وتجاوزها إلى مرحلة المشاركة الفعلية في رحلة الحضارة العالمية. ولو نظرنا إلى اليابان التي دمرتها أميركا في هيروشيما ونجازاكي، هي التي تقف اليوم على قدميها في وضع المنافسة مع من آذتها وهي التي بعثت بفلذات أكبادها إلى أميركا ليعودوا إلى اليابان لإعمارها من جديد، بل وتقديمها للعالم كحضارة مميزة عن الأخريات. وذات الوضع ينطبق على أميركا المستعمرة البريطانية قبل أكثر من مئتي عام، فما إن خرجت من ذلك الحال، حتى رسمت لها شخصيتها الحضارية المستقلة عن مستعمرها السابق. وتمضي ألمانيا في قيادة القاطرة الأوروبية التي تعاني أزمة مالية خانقة، وهي التي عانت حروبها مع أوروبا، إلا أن كل ذلك لم يكن عقبة في طريق النهوض الذاتي وبناء شخصية حضارية خاصة تعرف بها، سواء في مجال رياضة كرة القدم، أم في قطاع الميكنة الألمانية المعروفة لدى العالم. فلو لم ينفتح كل هؤلاء الخصوم في فترة تاريخية معينة على بعضهم بعضاً، لما سمعنا عن عالم متقدم، سواء في الغرب أو الشرق، ولكان مصير الجميع العودة إلى نماء منغلق لا يرى إلا من تحت الأقدام، ولكن آثر كل هؤلاء نسيان ما مضى والتركيز فيما هو آت في المستقبل المنظور والبعيد. مقابل هؤلاء هناك دول في آسيا، ككوريا الشمالية التي لم تخرج من إسار الانغلاق لحظة، علماً بأن أختها في الجنوب قطعت أشواطاً في ركب الحضارة الآسيوية والعالمية في آن واحد، وكوبا في أميركا اللاتينية التي تلتصق بأقوى دولة في العالم، إلا أن نظامها المنغلق لم يترك لها ومثيلاتها فرصة الاستفادة الحقيقية من عطاءات البشرية، فبقيت في زاوية النسيان العالمي، إلا إذا ذكر سجن "جوانتا نامو" في سياق أخبار الإرهاب، وإلا فإنها منسية في الذاكرة العالمية. وتعاني أجزاء كبيرة من العالم العربي والإسلامي العزلة الإجبارية، أو الاختيارية عن محيطها العالمي، ولا نسمع فيها غير أصوات القنابل ودوي الطائرات وحركة الدبابات التي تدمر ما بقي فيها من آثار الحضارات السالفة الذكر، بدل أن تقوم تلك الأجزاء بالبناء على ما قام به الأوائل في الارتقاء بالسلم الحضاري. نحن نرى دماراً يلحق بالمنجز الحضاري الإنساني منها والمادي، فالحضارات كلها تنتصر بالانفتاح لا غير.