يتألف الاتحاد الأوروبي من 27 دولة. والعدد مرشح للارتفاع إلى 29 دولة. أما الدولتان المرشحتان لطلب العضوية فلم تولدا بعد، وهما كاتالونيا وعاصمتها برشلونة التي تتطلع إلى الانفصال عن إسبانيا، وأستكلندا وعاصمتها أدنبرة وهي تتطلع إلى الانفصال عن المملكة المتحدة. حاول إقليم الباسك في شمال إسبانيا، والواقع وسط جبال البيرنيه بين إسبانيا وفرنسا، الانفصال وإعلان الاستقلال مستخدماً في ذلك قوة العنف، لكنه فشل. صحيح أن مشاعر الانفصال لم تسقط، إلا أن الحركة الانفصالية اعترفت بفشل السلاح الذي استخدمته. فأعلنت التخلي عن العنف، لكنها لم تعلن أبداً التخلي عن الحلم بالاستقلال. ويحاول إقليم كاتالونيا في الجنوب الشرقي من إسبانيا الانفصال وإعلان الاستقلال عن مدريد، لكنه يعتمد أساساً على سلاح الاقتصاد. فهل ينجح الكاتالونيون حيث فشل الباسكيون؟ تعتبر كاتالونيا -الدينامو المحرك- للصناعة الإسبانية. ويبلغ حجم اقتصادها وحده 261 مليار دولار، وهو ما يعادل حجم اقتصاد البرتغال. ويزيد الدخل الفردي عن دخل الإسبان الآخرين، وحتى عن دخل أكثر من نصف دول المجموعة الأوروبية. أما عدد سكان كاتالونيا فيبلغ سبعة ملايين ونصف المليون، أي حوالي 16 في المائة من عدد سكان إسبانيا. ولذلك ترى كاتالونيا في البرنامج الضرائبي الذي أقرته حكومة مدريد خطراً على اقتصادها وضربة له في الصميم. فالبرنامج يقوم أساساً على فرض مزيد من الضرائب على الأغنياء لسد حاجة الفقراء. وهذا يعني ضخ الثروة من كاتالونيا لتوزيعها في المناطق الإسبانية الأخرى. ولذلك تلْقى الدعوةُ الانفصالية الاستقلالية التي يقودها الرئيس الكاتالوني أرثر ماس، صدى شعبياً واسعاً في الإقليم، ومعارضة شديدة في مدريد. ومنذ الانفجار اليوغسلافي في تسعينيات القرن الماضي، لم تشهد أوروبا حركة انفصالية جدية على النحو الذي تشهده إسبانياً شمالاً وجنوباً، وعلى النحو الذي تشهده المملكة المتحدة.. وحتى إيطاليا أيضاً. لقد دعت حكومة كاتالونيا إلى انتخابات عامة مبكرة وحددت موعداً قريباً لها هو الخامس والعشرون من شهر نوفمبر 2012. وفي ضوء الوضع الراهن فإن الانتخابات سوف تتحول إلى استفتاء على الاستقلال عن إسبانيا. وكل الشعارات الانتخابية تصب في هذا الاتجاه. فإسبانيا غارقة في الديون الخارجية. ويبلغ حجم هذه الديون 140 مليار يورو. ويتوزع هذا الدين على المناطق الإسبانية السبع عشرة. وتبلغ حصة كاتالونيا منها 42 ملياراً. وتحت عبء هذه الديون فإن حكومة كاتالونيا -وليس حكومة مدريد وحدها- تنوء تحت ضغط الاستحقاقات المالية المترتبة على الخدمات العامة، بما فيها الخدمات الصحية. ولذلك طلبت كاتالونيا من مدريد -التي تسعى للحصول على دعم مالي أوروبي مشترك- دعماً بخمسة مليارات يورو للوفاء بالتزاماتها المحلية. غير أن مدريد، وهي تجاهد للالتفاف على الإفلاس -مثل اليونان- رفضت الاستجابة، الأمر الذي ألهب حماس الحركة الوطنية في كاتالونيا للمطالبة بالاستقلال. ليس البعد الاقتصادي هو العامل الوحيد وراء المطالبات الاستقلالية. فالكاتالونيون لهم لغتهم الخاصة. ولهم آدابهم وفنونهم الذاتية. ولهم شخصيتهم الوطنية المميزة. وتعود حركتهم الاستقلالية حتى إلى أيام ديكتاتورية الجنرال فرانكو. وكانت المقاومة الكاتالونية ضده قائمة على أساس وطني محلي في الدرجة الأولى. لكن التسوية السياسية قضت باعتماد النظام الملكي نظاماً موحداً للبلاد. وبالطبع فلن تقف مدريد مكتوفةَ الأيدي أمام الحركة الانفصالية. فهي تتسلح بالدستور الذي لا يعطي كاتالونيا حق إجراء استفتاء منفرد على الانفصال والاستقلال من دون موافقة مسبقة من البرلمان الموحد. ومثل هذه الموافقة غير متوقعة على الإطلاق، خاصة في ظل الظروف التي تمر بها إسبانيا في الوقت الحاضر. ولذلك يتهم خصوم الرئيس الكاتالوني آرثر ماس، بأنه "نبي دجال" يعد الكاتالونيين بأرض الأحلام مستغلاً الضائقة المالية التي تمر بها مع بقية المناطق الإسبانية الأخرى. وفي ضوء هذا التصارع الداخلي، يقوم خبراء في العلوم السياسية والاجتماعية في كاتالونيا بدراسة التجارب الانفصالية الناجحة التي حدثت بعد الانفجار اليوغسلافي ونتيجة له. فالعديد من الدول التي تشكلت حديثاً وجدت طريقها إلى الاتحاد الأوروبي، أو هي في الطريق إليه. وترى كاتالونيا أنها اجتماعياً واقتصادياً مؤهلة أكثر من كل هذه الدول للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي فور الاستقلال عن إسبانيا. ويشكل تقرير مصير كاتالونيا أساساً لحركات استقلالية عديدة أخرى في أوروبا. ففي بلجيكا لا يزال الصراع على أشده لغوياً وعنصرياً بين المتحدرين من أصول فرنسية كاثوليكية، والمتحدرين من أصول هولندية بروتستنتية. وبروكسل، حيث يتمركز الصراع، هي عاصمة الاتحاد الأوروبي! أما بالنسبة لأسكوتلندا فإن المشاعر القومية تضرب في أعماق تاريخ الصراع الأسكوتلندي الإنجليزي. ولا شك أن الثروة النفطية في بحر الشمال تلعب دوراً جديداً وهاماً في إذكاء هذا الصراع. ومن المقرر إجراء استفتاء عام في العام المقبل لتقرير إما البقاء ضمن المملكة المتحدة مع استقلال ذاتي أوسع أو الاستقلال التام عنها. وتؤكد الحركة الوطنية الأسكوتلندية وجود أكثرية مؤيدة للاستقلال! وإذا حدث ذلك فإنه يرسم علامات استفهام حول مستقبل إقليم ويلز... وحول العلاقة مع شمال إيرلندا حيث الصراع بين الكاثوليك المؤيدين لإيرلندا الجنوبية، والبروتستانت المطالبين بالوحدة مع المملكة المتحدة، لا يزال كامناً تحت الرماد... وفوقه على حد سواء! وفي دراسة أجراها الاتحاد الأوروبي حول انعكاسات الأزمة الاقتصادية على معدلات الولادة في دول الاتحاد، كشفت الدراسة عن هبوط عام في نسبة الخصوبة العائلية (أي عدد الأطفال الذين تتوقع المرأة إنجابهم خلال حياتها). وبينت الدراسة أن الدول التي تعاني من أزمة اليورو تشهد انخفاضاً أشد حدة من سواها. فإسبانيا مثلاً، عرفت انخفاضاً من 1،46 في عام 2008 إلى 1،38 هذا العام. وتؤكد هذه النتائج نظرية عالم الاجتماع والاقتصاد آدم سميث الذي ربط بين الانكماشين: الاقتصادي والعائلي. لكن الاتحاد الأوروبي لم يجرِ دراسة بعد حول انعكاسات الأزمة الاقتصادية على الوحدة الوطنية في الدول المركبة، أي التي تتألف من قوميات متعددة، مثل إسبانيا وفرنسا وإيطاليا وبريطانيا. ولا توجد نظرية مماثلة لنظرية سميث تربط بين الانكماش الاقتصادي وحركات الانفصال السياسي. لكن هذا الترابط يبدو واضحاً في القضية الأسكوتلندية، وهو أكثر وضوحاً في القضية الكاتالونية. غير أن العامل الأقوى في القضيتين هو العامل القومي ودور الذاكرة التاريخية في الإبقاء عليه حياً وفعالاً. ولعل هذا ما يحدث في بعض الدول العربية، وقد أدى إلى انفصال جنوب السودان عن شماله... وهو ما يهدد بانفصال شمال العراق عن جنوبه... إلى آخر السلسلة!