تنظر كافة بلدان العالم إلى أوروبا بإعجاب شديد، ليس فقط لقدرتها على معالجة تداعيات الأزمة المالية العالمية، وإنما أيضاً لإصرارها على الاستفادة من دروس الأزمة لتقوية اتحادها عبر معالجة وتدارك الأخطاء السابقة والتي تعتبر مسألة طبيعية لأول اتحاد نقدي عالمي بهذا الحجم وهذه الأهمية. فالتجاوزات والأخطاء التي حدثت لا تعيب الاتحاد الأوروبي أبداً، وإنما هي دروس يستفيد منها لتقوية نفسه ولتقديمها لبقية التكتلات الاقتصادية الأخرى في العالم، وبالأخص لمجلس التعاون الخليجي. لقد سبق وأن تطرقنا لبعض هذه التجاوزات والأخطاء، إلا أن الجديد في الأمر والذي يتم التركيز عليه حالياً هو غياب سياسة نقدية موحدة ورقابة مالية مركزية، حيث تركت هذه القضايا المهمة لتقديرات الدول منفردة، مما أوجد تناقضاً خطيراً بين السياسات المالية لكل دولة، وهي سياسات تتفاوت بصورة كبيرة، وبين عضوية هذه البلدان في العملة الأوروبية الموحدة "اليورو". لذلك رأت البلدان السبعة عشر الأعضاء في اليورو، أن استمرار العملة الأوروبية وتجاوز الصعوبات الحالية لا يمكن أن يتحقق في ظل غياب رقابة موحدة على الأنشطة النقدية والمالية عبر البنك المركزي الأوروبي، وهو ما تمت الموافقة عليه في قمة الاتحاد التي عقدت في بروكسل نهاية الأسبوع الماضي. والملفت للنظر هو سرعة تنفيذ هذا القرار رغم تعقيداته، فالزعماء الأوروبيون رأوا أن ليس هناك وقت لإضاعته في مناقشات بيزنطية، فالقرار سيدخل حيز التنفيذ بعد شهرين من الآن، على أن تُستكمل كافة مكوناته مع نهاية العام القادم ويطبق كلياً مع بداية 2014. وبموجب ذلك سيشرف المصرف المركزي الأوروبي على ستة الآف بنك في منطقة اليورو ويراقب أوضاع الموازنات السنوية والقروض السيادية وكل ما يتعلق بالسياسات النقدية والمالية، والتي ستشرف عليها هيئة واحدة في كافة البلدان الأعضاء. إذن نحن أمام تطور مذهل في العلاقات الاقتصادية الدولية من خلال بروز أكبر قوة اقتصادية ومالية في العالم ستتجاوز الولايات المتحدة والصين وستحدد طبيعة هذه العلاقات في القرن الحالي وستستمر في سن التشريعات والأنظمة التي ستشكل نموذجاً لبقية تكتلات العالم وتحالفاته الاقتصادية. ومع القناعة بنجاح التوجه الأوروبي الجديد، فإن العديد من بلدان العالم بدأت في حساب الأرباح والخسائر، وبالأخص بريطانيا التي ستواجه بعد أكثر من عام بقليل توجهين خطيرين، الأول استكمال الوحدة النقدية والمالية الأوروبية، والتي ستكون لندن خارج نطاقها، رغم استمرار عضويتها في الاتحاد، إذ ربما تفقد موقعها كعاصمة عالمية للمال. والثاني، في حالة تصويت أغلبية الأسكوتلنديين على الانفصال عن بريطانيا -وهذا أمر مستبعد في الوقت الحالي- فإن قطعة مهمة سوف تستأصل من الجسد البريطاني المترهل، خصوصاً وأن الحزب القومي الأسكتلندي الذي يقود عملية الانفصال سوف يترك الجنيه لينضم إلى اليورو. لذلك صرح رئيس الوزراء البريطاني بعد انتهاء القمة الأخيرة في بروكسل، بأن بريطانيا تعتزم استغلال إعادة هيكلة حوكمة منطقة اليورو لإعادة التفاوض بشأن عضويتها في الاتحاد الأوروبي لتخفيف شروط العضوية، علماً بأنه سبق وأن ألمح لإمكانية دعوة البريطانيين إلى استفتاء بخصوص العضوية في الاتحاد الأوروبي. ويبدو أن بريطانيا وربما بسبب استعمارها للجزء الأكبر من القارة الآسيوية ابتداء من الصين شرقاً وحتى فلسطين غرباً، مروراً بشبه القارة الهندية، تأثرت بالعواطف الشرقية نتيجة للاحتكاك المباشر لمئات السنين، مما جعلها تتمسك بالجنيه الاسترليني وتتغنى بالماضي عندما كانت دولة عظمى، إلا أن ساعة الزمن تشير إلى أنه لا مكان للعواطف في عالم المال والأعمال، إذ لابد أن تكون بارجماتياً إيجابياً لتحافظ على مكاسبك وتعززها في عالم سريع التغير.