رغم أن احتمال حدوث تصدع في العلاقة بين الرئيس المصري محمد مرسي وجماعة "الإخوان المسلمين" التي ينتمي إليها ليس وارداً في المدى المنظور، فالسؤال عن إمكان تحققه يثار من وقت لآخر في كثير من الأوساط السياسية والإعلامية. ويرتبط طرح هذا السؤال والجدل حوله بظهور ما يعتقد البعض أنه مؤشر على وجود تباين بين الرئيس وجماعته من وقت لآخر. وقد حدث ذلك مثلاً عندما قرر مرسي استبدال عدد محدود من المحافظين بعد أن تحدث بعض قادة "الإخوان" عن تغيير واسع أو شامل. كما أُثير السؤال عن مستقبل العلاقة بين مرسي وجماعته عندما عبّر نائبه المستشار محمود مكي خلال لقاء عقده مع رؤساء تحرير الصحف المصرية قبل حوالي أسبوعين عن شيء من القلق بسبب تصريحات بعض قادة جماعة "الإخوان المسلمين" وحزبها واعتبرها تمثل عبئاً على رئيس الجمهورية. وتصادف أن الجدل حول حديث المستشار مكي عن العبء الذي يمثله بعض قادة "الإخوان" على الرئيس تزامن مع تجديد الزعيم الإسلامي السوداني حسن الترابي هجومه على الرئيس عمر البشير ودعوته لأن "يرحل ويستغفر الله" قبل أن تطيح به ثورة شعبية. وأعاد هذا التزامن إلى الأذهان قصة انقلاب البشير على زعيمه السابق في الحركة الإسلامية (الترابي) الذي دبر معه الاستيلاء على السلطة عام 1989. ويؤدي التذكير بقصة البشير والترابي إلى اقتران السؤال عن مستقبل العلاقة بين مرسي وجماعة "الإخوان" بآخر حول احتمال إعادة إنتاج هذه القصة في مصر بصورة مختلفة بطبيعة الحال بمعنى أن يتمرد الرئيس على قيادته في الجماعة ومرشدها العام الدكتور محمد بديع ونائبه القوي خيرت الشاطر. غير أن هذا الاقتران لا محل له في الواقع. فإذا كان احتمال حدوث تغير ما في العلاقة بين مرسي وجماعة "الإخوان" باتجاه تباعد بينهما بدرجة أو بأخرى قد يكون ممكناً في ظروف معينة ولكن ليس في وقت قريب، فالأمر ليس كذلك بالنسبة لاحتمال أن يصل هذا التغير إلى مستوى التحول الشامل على النحو الذي حدث في السودان عندما انقلب البشير على زعيمه السابق في الحركة الإسلامية. فالحالتان، السودانية والمصرية، مختلفتان كثيراً من حيث طبيعة العلاقة بين البشير والترابي من ناحية، ومرسي وبديع وغيره من قادة "الإخوان" من ناحية ثانية، وكذلك من زاوية نوع التغيير الذي وضع السلطة بين يدي حركتين إسلاميتين في الخرطوم والقاهرة. فقد افتقدت الحركة الإسلامية في السودان النظام والانضباط الصارمين اللذين تتميز بهما جماعة "الإخوان المسلمين" في مصر وتوفر لتنظيمها "مناعة" تجاه الانشقاقات الكبيرة. فلم يستطع أي من قادته الذين خرجوا عليه في العقدين الماضيين جذب أعداد كبيرة معهم، بدءاً من تجربة أبو العلا ماضي و"حزب الوسط" عام 1995 وحتى تجربة عبد المنعم أبو الفتوح وعدد من الشباب عام 2010. كما أن إلغاء الجناح العسكري واستبدال فرق رياضية مدربة على القتال به أغلق باباً كان الصراع الداخلي قد تسلل منه إلى جماعة "الإخوان" عقب اغتيال مؤسسها حسن البنا عام 1949. فالأجنحة العسكرية للأحزاب السياسية والدينية يمكن أن تكتسب استقلالاً نسبياً وتشعر بنوع من التميز الذي قد يخلق صراعاً داخلياً، أو يقود إلى هيمنة قادة قادمين من هذه الأجنحة. ويختلف ذلك عن تجربة الحركة الإسلامية السودانية التي أقام زعيمها حسن الترابي جناحاً عسكرياً استطاع أن يتغلغل في الجيش ونجح في تنفيذ انقلاب والاستيلاء على السلطة صباح 30 يونيو 1989. وكان لهذا الجناح استقلاله الضروري بل الحتمي بسبب سريته التي انطلت على كثير من دول العالم حين حدث الانقلاب، بما في ذلك مصر التي كانت أجهزتها الأمنية تظن أنها تعرف كل شيء في السودان. فقد دعمت ذلك الانقلاب لأنها لم تعرف علاقة القائمين عليه بالحركة الإسلامية التي أجادت التمويه، حيث تم اعتقال زعيمها (الترابي) إلى جانب قادة مختلف الأحزاب والقوى السياسية، قبل أن يتضح أن إلقاء القبض عليه مسرحية متفق عليها مسبقاً مع منفذي الانقلاب. ولذلك كان البشير الذي قاد الانقلاب وأصبح رئيساً للبلاد في مركز أقوى فعلياً، خصوصاً أن علي عثمان طه الذي كان نائباً لزعيم الحركة الإسلامية استغل فترة غياب الترابي في مسرحية الاعتقال لتدعيم دوره بالتنسيق مع الرئيس الجديد، وقد اتهمه بذلك صراحة أحد أبرز أنصار الترابي، وهو المحبوب عبد السلام في كتابه الصادر أخيراً، "الحركة الإسلامية السودانية... دائرة الضوء وخيوط الظلام". فقد توثقت العلاقة بين البشير وطه في غياب الترابي عن المسرح السياسي على مدى عام كامل تم خلاله وضع أسس النظام الجديد. وكان طبيعياً أن يؤثر ذلك سلبياً على العلاقة بين البشير والترابي اللذين أخذ النفور بينهما يزداد إلى أن حسم أولهما الأمر لمصلحته عام 1999 وأنهى ما بدا أنه ازدواج في السلطة بين الرئيس الذي يتمتع بسلطات تنفيذية مطلقة وزعيم الحركة الإسلامية التي كان هذا الرئيس أحد "جنودها" ذات يوم. لكن الوضع في مصر مختلف. فلا ازدواج الآن في السلطة لأن مرسي وصل إليها في انتخابات رئاسية. لذلك لا يوجد احتكاك مباشر بين مرسي وبديع أو غيره من قادة "الإخوان"، بخلاف ما حدث بين البشير والترابي في السودان. كما أن العلاقة بين مرسي وجماعته تختلف لأنه عمل منذ التحاقه بها في إطار قواعد تنظيمية صارمة وتعود على الطاعة. وتختلف هذه العلاقة الهرمية أو الرأسية عن تلك التي ربطت البشير بالترابي وأخذت طابعاً أفقياً لأن الأول لم يكن عضواً في التنظيم الرسمي، بل في جناحه العسكري الذي كان موازياً له وليس طبقة من طبقاته. لذلك لم ينشأ البشير على علاقة الطاعة وتقاليد الانضباط التنظيمي بخلاف مرسي الذي قد يصعب تصور تمرده على قيادته في جماعة "الإخوان" إلا اضطراراً في إحدى حالتين استثنائيتين: أولاهما أن تثقل ضغوط "الجماعة" كاهله إلى حد يعجز عن تحمله أو يصيبه بالعجز ويدفعه إلى تجاهل مطالب قيادة الجماعة واحداً وراء الآخر مما قد يقود إلى تباعد تدريجي. أما الحالة المحتملة الثانية فهي أن تروق له السلطة إذا حقق شيئاً من النجاح وأراد الترشح لفترة ثانية، وكان لجماعته رأي مختلف هو أن يخلي الطريق لقيادي آخر مثل خيرت الشاطر الذي كان مرشحها الأصلي في الانتخابات الأخيرة قبل استبعاده لأسباب قانونية. ورغم أن الحالتين استثنائيتان، فهما ليستا مستبعدتين تماماً. غير أنه بافتراض حدوث تصدع في العلاقة بين مرسي وبديع، فالأكيد أنه في مثل هذه الحالة لن يصل إلى مستوى الصدام الذي حدث بين البشير والترابي.