الظروف المحيطة بدول التعاون تحتم الوحدة، وتؤكد ضرورة قيامها... ورغم الإيمان بالوحدة فإن العقبات تؤثر تأثيراً مباشراً في التحول نحوها... فهل من تنازلات؟! تداول كتّاب جريدة "الاتحاد" خلال المنتدى السنوي السابع للجريدة الذي التأم في أبوظبي الأسبوع الماضي، شؤونَ وشجونَ مقترح التحول من التعاون إلى الاتحاد الذي طرحه العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبدالعزيز في قمة مجلس التعاون الأخيرة بالرياض في ديسمبر الماضي. ودارت نقاشاتٌ حول هذا "الحلم" الذي يُحبذه كثيرون من أبناء الخليج إن لم يكن كلهم، وبعضهم يتحمّس له بصورة واضحة، بينما يرى البعض الآخر أن الظروف الراهنة تخلق عقبات جمة في طريق الاتحاد، وأن التحلي بالتمعن ودراسة الأوضاع في المنطقة خير وسيلة لإنجاح هذا الاتحاد، عوضاً عن الاندفاع "الحماسي" الذي قد يأتي بنتائج سلبية، خصوصاً بعد 32 عاماً من عمر مجلس التعاون، والذي وإن حققَ بعض الإنجازات في مجالات محددة، فإنه لم يقترب كثيراً من الإنسان، وهذا بحد ذاته يُشكل معضلة أمام الاتحاد. ورأى بعض الزملاء أن الوحدة الأوروبية قامت على الاقتصاد وليس السياسية أو الدفاع أو الأمن، أي نشأت نشأةً طبيعيةً من الأرض والمؤسسات والأفراد، دون الحكومات. بينما الأوضاع في دول التعاون ما زالت تتأطر حول خيرات الدولة الريعية واتكالية الشعوب على الحكومات في كثير من أمور حياتها. ورأى البعض الآخر أن هناك تفاوتاً في المفاهيم السياسية، والممارسات السياسية أيضاً. وأن وجود وعي سياسي في بلد، لا يوجد له نظير في بلدان أخرى. وهذا يجعل بعض الشعوب "نشطة" في مسيرة الاتحاد ومؤثرة في الحياة العامة، وبعضها الآخر غير كذلك. وللأسف فإن النشط أو المؤثر لا يشكل الأغلبية، كما أن غير النشط وغير المؤثر لم يتعود على الممارسة الوحدوية ولم يقترب من التجربة الديموقراطية العصرية. وهكذا توجد تباينات واضحة في مدى الحماس للوحدة الخليجية. البعض الآخر رأى الموضوع من زاوية إقليمية، وأن الأوضاع السياسية وتنازع القوى في المنطقة يفرضان التعجيل بهذه الوحدة، ووجدوا في الأطماع الإيرانية -بعد تكرار التهديدات المباشرة والواضحة لدول الخليج وحلفائها الاستراتيجيين من جانب إيران- مدعاةً للوحدة، خصوصاً وأن المتغيرات الدولية قد تفرض توازنات جديدة لم تتم دراستها أو التنبؤ بها حتى الآن. وعلى افتراض أنه "لا ثبات في المواقف السياسية"، خصوصاً فيما يتعلق بالوجود الأميركي في المنطقة أو علاقات واشنطن وطهران في المستقبل، وأن مفهوم "الأمن الجماعي" لم يستشعرهُ المواطن الخليجي عندما غزا العراقُ دولة الكويت عام 1990، كما أن مجلس التعاون لم ينجح في الاشتراك في موازنة الأمن أمام العراق وإيران... لذلك يرى أصحاب هذه الرؤية أن موقف إيران من دول مجلس التعاون ودورها في المنطقة، يمثل أكبرَ مُبرر للتعجيل بالوحدة الخليجية. وينادي بعض الخليجيين بأهمية وجود نموذج أو آلية للوحدة المقترحة، لكنهم في ذات الوقت يستبعدون الشكل الفيدرالي والكونفدرالي، وذلك على أساس أن تجربة "التعاون" التي لم تنجح في كسر حِدة "السيادات" التي مورست خلال الثلاثين عاماً الماضية. ويستشهدون بأن الاقتصاد الذي وحّد أوروبا -وهي تتكون من أجناس وأعراق شتى- لم يوّحد دولَ التعاون، حيث برزت رؤى غير متطابقة فيما يتعلق بتطبيق الاتفاقية الاقتصادية، رغم إعلان قيام الاتحاد الجمركي وتحديد موعد البدء بالعملة الموحدة. الوحدة الخليجية تتطلب قيام برلمان خليجي، وواقع دول التعاون لم يفرز برلمانات إلا في دولتين خليجيتين، وهذا يشكل أولى عقبات الاتحاد. وهنالك تخوفات من الانشطارات المجتمعية (العقلية العشائرية)، إضافة إلى المصالح ومراكز القوى وغياب الرقابة الشعبية. وبرأينا أن هذه العقبات تؤثر تأثيراً مباشراً في قضية التحول إلى الوحدة، مع الإيمان الكامل بأن الظروف المحيطة بدول التعاون تحتم الوحدة، وتنذر بضرورة قيامها، لكن هل من تنازلات؟ حلم الوحدة الخليجية موجود في وجدان كل خليجي، لكن الأشياء الكبيرة لا تتحقق عبر الأحلام، وإنما من خلال دراسة التاريخ، وتقييم المرحلة السابقة من عمر مجلس التعاون، ووضع اشتراطات المرحلة الجديدة، بما في ذلك "التضحيات السياسية" التي تضمن حقوق جميع الدول والشعوب في الاتحاد. ويشمل ذلك قضية التصويت والميزانية ومقر الاتحاد وتبعية الجيش وغيره من المؤسسات التي يجب أن تقوم. وهل سيقتدي الاتحاد الخليجي بأدبيات الاتحاد الأوروبي، والذي يقع مقره في أصغر دوله، كما أن أعضاء برلمانه يتم انتخابهم مباشرة من الشعوب؟ وإضافة إلى ذلك، هل يتم إلغاء مراكز الحدود، بحيث يصل الكويتي إلى مسقط دون أن يُضطر إلى الوقوف في أكثر من 4 مراكز حدودية؟ وهل ستتحقق المواطنة الاتحادية التي عجز مجلس التعاون عن تحقيقها؟ وهل ستقتدي الدول الخليجية الأقل تجربة في المشاركة الشعبية بالدول الأكثر ممارسة، وتغيّر مجرى التاريخ في تجربتها للحكم؟ أسئلة كثيرة لابد من الإجابة عليها قبل التحرك نحو الوحدة، خصوصاً عندما نستذكر الوحدات العربية السابقة، وبعضها لم يستمر أكثر من ساعات! د. أحمد عبدالملك أكاديمي وإعلامي قطري Hamsalkhafi57@hotmail.com