هل بالإمكان العودة إلى زمن أسهل من هذا الذي فرضته علينا هجمات الحادي عشر من سبتمبر "الإرهابية"؟ وهل من الممكن أن نطوي الأحداث، وكأنها شريط فيديو، بالبطيء أو بالسريع إلى ما كانت عليه؟ فكل ما حولنا تطرف و"إرهاب"، وفكر التطرف والتبرير لـ"الإرهاب" يحيط بنا في كل مجلس ويطل علينا من كل صفحة مطبوعة وتقرير مصور. وهذا الفكر المنحرف، وبمنطقه الأعوج، يرى ما يريد أن يراه وبعين انتقائية، ويبرر لاستهداف المدنيين الأبرياء من خلال أشرطته السمعية والبصرية ومواقع الإنترنت الخاصة به. فمع كل عملية تزهق فيها أرواح الأبرياء والأطفال تأتي الـ"ولكن" سريعة بأن الجريمة هي رد على هذا الحدث أو ذاك، ويموت العربي والمسلم وأبرياء من جنسيات وديانات مختلفة تحت شعارات مختلفة، وفي العديد من الحالات تبدأ عمليات الخطف بالشعارات الرنانة والمطالب المستحيلة، وسرعان ما نكتشف أن الهدف حفنة من الدولارات. إنه عالم ما بعد الحادي عشر من سبتمبر بقوانينه الخاصة ومسلماته الخاصة وأجوائه المقززة.
تغير عالمنا كما تغير العالم من حولنا في تلك اللحظة التاريخية نتيجة للعمل "الإرهابي" الكبير، واليوم ونحن نمر بالذكرى الثالثة للحادي عشر من سبتمبر ندرك كم هو استثنائي هذا الحدث، وندرك أنه مفصل مهم من مفاصل بداية هذا القرن الوليد، ومنطق الفترة الجديدة ساد العديد من جوانب حياتنا وعالمنا من التفاصيل الصغيرة كالسفر و"الفيزا" والتعاملات المالية عبر البنوك، إلى أمور أخرى "ماكرو" كالعلاقات بين الدول. ففي منطقتنا سقط نظام "طالبان" ولحقه "البعث" العراقي، وبقي البعض الآخر مكابراً معزولاً في دمشق وطهران، ويحاول آخرون أن يتعاملوا مع الحقائق الجديدة وبصعوبة سواء في الخرطوم أو في طرابلس الغرب، وكان هناك ضحايا خارج منظومة الدول من حركات التحرر من فلسطين إلى الشيشان، فالعنف وأساليبه قوّضا من التعاطف الدولي مع هذه القضايا، فعانى الشيشان من سلسلة من العمليات المأساوية وتضررت القضية الفلسطينية من العمليات الانتحارية، واستغل كل من "بوتين" و"شارون" هذا المشهد استغلالاً بشعاً، ووراء كل ذلك قصر نظر وتقصير في قراءة المستجدات، حيث إن معطيات المرحلة تغيرت جذرياً مع لحظة ارتطام الطائرة المنكوبة بالبرج الشمالي لمركز التجارة العالمي.
ولأن معظم هؤلاء المتطرفين مسلمون، شئنا أم أبينا، تم تصوير حضارتنا وثقافتنا كحاضنة لـ"الإرهاب" في هذا العالم، والحقيقة أن فئة قليلة متطرفة ومنحرفة اختطفت هذا الملف واستغلت تدين الأغلبية، وأدانت من خلال جرائمها مجتمعاً بريئاً منها ومن أعمالها ومن فكرها. ومع أن منهج العنف وجد من يبرر له من أصحاب الرأي والفكر والقلم، وتنوعت الأساليب من الصمت تارة إلى الكتابات والفتاوى المحرضة تارة أخرى، نقول ذلك ونحن نعيش صدمة فتوى الدكتور يوسف القرضاوي الأخيرة التي تدعو إلى استمرار العنف وتبرر للخاطفين جرائمهم.
والمناسبة الحالية تدعو للسؤال إن كانت هناك مراجعة في عالمنا العربي؟ والإجابة هي بنعم خجولة، فوزير الداخلية السعودي في أعقاب الحادي عشر من سبتمبر نفى أن يكون بين "الإرهابيين" سعوديون، ولكن ظهور الأدلة والقرائن وتصاعد العمليات "الإرهابية" وتهديدها لاستقرار المجتمع السعودي فرض واقعية جديدة تدرك أن "الإرهاب" ليس موجهاً لواشنطن فقط، ولكنه يطال الرياض وجاكرتا وغيرها من حواضر العالم الإسلامي. ومع هذا تبقى المراجعة خجولة وتصطدم بمنطق المبررين، كالذي نراه من خلال الجدل الذي يبرز بين الحين والحين حول المناهج الدراسية، كما أن المراجعة التي نشهدها لا تلامس إلا السطح لأننا مجتمعات غير ديمقراطية، وبالتالي تبقى المراجعة رسمية وإن شئنا حكومية، وحتى التناول الإعلامي للأحداث ما زال متشابكاً غامضاً يعتبر النقد الذاتي جلداً للذات، ويفضل القراءة القائلة إن عالمنا العربي والإسلامي مستهدف دون أن يغوص في فهم ونقد العلاقة الجدلية بين الفكر الأصولي المتطرف والسلفي مع تفريخ "الإرهاب" وانتشار خلاياه.
والواقع القادم ينذر بأن المشهد العراقي والأفغاني والأوضاع في العديد من الساحات كالسعودية واليمن مأزوم، فالتحدي "الإرهابي" لم ينتهِ ولا هو في انحسار، وما سنواجهه يفوق الجرائم السابقة، فطبيعة الخلايا "الإرهابية" وتعدد التنظيمات الأصولية والمتطرفة يؤكد هذه القراءة المتشائمة، كما أن وعي الرأي العام وخلطه الغريب بين الأحداث والتطورات ما زال سائداً. فبعد سنوات من الشحن الأصولي المتطرف، لا يمكن أن نلغي بإشارة أو بقرار أو بصور مجموعة من القتلى الأبرياء والذين لقوا نهايتهم البشعة دون ذنب منهم، تراكم تطرف داهم مجتمعاتنا منذ ما يقارب الربع قرن، ولذا يستمر الخلط بين المعتقدات السمحة للأغلبية مع الخطاب العاطفي والممارسات الإجرامية لهذه القلة المارقة. ومثل هذه الصورة الأخلاقية المتناقضة تبرز في هذه الأيام من خلال العديد من الملاحظات التي لا تستطيع أن تستنكر قتل مئات الأطفال ببيسلان دون أن تربط، وفي الجملة نفسها، بما يفعله الر