بعد أسابيع من ظهور الفيلم المعادي للإسلام، يستمر الحوار حول حرية التعبير، وما إذا كانت لها حدود أو شروط أصلاً. دافع البعض عن تقييد حق الإساءة إلى معتقدات الآخرين، ضماناً لاحترام الحساسيات الدينية! لكن من المفيد في هذا الخصوص السؤال: هل حرية الكلام ودعم الفضائل الدينية أمران متناقضان ضمنياً؟ لقد جرت تنشئتي ككاثوليكية أميركية على الإيمان بأهمية حرية التعبير والفضيلة الدينية، وعلى أنه بإمكان كل منهما تقوية الأخرى وتعزيزها. ومن الواضح أنه بالإمكان فعلاً استخدام حرية الكلام لتجريح الآخرين وإثارة حساسيتهم الدينية، حيث كان الفيلم المسيء للإسلام مهيناً لديانة عظيمة وجميلة. كما أصيب أميركيون نتيجة لحرق عَلَمنا خلال بعض الاحتجاجات التي أطلقت فيها هتافات مفعمة بالكراهية والتهديد. ويمكن استخدام حرية الكلام والتعبير في سبيل الترويج لصور نمطية غير عادلة، أو بغرض التحريض، مثلما اعتدنا سماعه من لوم موجه لأميركا على خلفية أعمال اقترفها فرد واحد قام بإنتاج فيلم مرفوض، أو إلقاء اللوم على الإسلام والمسلمين بسبب عنف مجموعات محدودة. ومعلوم أن قوانين حرية التعبير الأميركية تسمح بإنتاج الأفلام والمواد الإعلامية والثقافية الأخرى، بغض النظر عما إذا كانت معادية للإسلام أو المسيحية أو أي دين آخر، وأن قانوناً من ذلك النوع قد يهدد الدين في ظروف معينة. لكن حرية التعبير في القانون الأميركي تهدف أيضاً إلى حماية الدين وإمكانية الدفاع عنه، إذ في غياب حرية التعبير تتعرض الحريات الأخرى، مثل حرية التدين، لخطر أكثر فداحة. وبينما يمكن إساءة استخدام الحرية بطرق منافية لمقاصد القانون، فإن الدين هو ما يجعل الأخلاقيات ممكنة. ولن يكون لاحترام العقائد الدينية سوى معنى محدود ما لم يملك الإنسان حرية الأخذ بخيار دون آخر. فمثلا يؤمن العديد من المسيحيين والمسلمين بأن الله يعطينا الحرية والإرادة، فنستطيع وقتها الاستسلام بحرية لله تعالى ولمشيئته العليا. لكن كيف يتوجّب علينا الردّ عندما تتعرّض دياناتنا أو بلداننا للإهانة أو للإيذاء؟ نستطيع أولاً رفض محاولات رسم أميركا والمسلمين بشكل زائف على أنهما عدوين؛ فأثناء الهجوم على القنصلية الأميركية في بنغازي، كان الليبيون هم من حاول إنقاذ السفير الأميركي كريستوفر ستيفنز، وكانوا أول من شجب الهجوم. وفي الوقت نفسه، كانت الولايات المتحدة تستضيف احتفالات عيد الفطر وتكرّم مساهَمات المسلمين في أميركا. ونستطيع ثانياً، استخدام حرية الكلام لإدانة خطاب الحقد وإبراز مغالطات التحامل والإجحاف. فمؤخراً، وبعد أن قامت مجموعة بعرض ملصقات مهينة للإسلام في محطات قطار الأنفاق في واشنطن، قامت مجموعة مسيحية أميركية اسمها "سوجورنيرز" بتمويل إعلانات مضادة تقول: "أحبّ جارك المسلم". وأخيراً، نستطيع أن نُري العالم أفضل ما في ديننا وثقافتنا، مظهرين زيف وعبث الممارسات التي تحاول تشويه الصورة. وهذا ما يتعلمه المسلمون من قول الله تعالى: ولا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيم" (41-34). ------- ربيكا كاتالدي اختصاصية في حل النزاعات- واشنطن -------- ينشر بترتيب مع خدمة "كومون جراوند" الإخبارية