قصص مرضى احتشاء القلب لا تنتهي. صديقي أبو عماد غاب عني بدون خبر أشهراً طويلة، ثم اجتمعت به أسأله: أين أنت؟ قال: لقد خضعت لعملية فتح صدر وزرع شرايين جديدة في قلبي، لقد شقوا صدري شقاً مثل فتح الكتاب! نفس القصة سمعتها من صديق آخر اجتمعت به في مونتريال، وقال لي: لقد أصبحت رجلاً مختلفاً بعد العملية، وكأن صوته مثل قصف الرعد قوةً وحيويةً. ومن ذكرياتي بعد التخرج من الزبداني، حيث تقصف الشبيحة الأسدية في هذه الآونة، أنني دعيت للكشف عن مريض. كان الألم مهولاً في الصدر منتشراً إلى الكتفين، وهو تشخيص لا يخيب للأزمة القلبية. كانت الغرفة غاصة بالناس يعودونه، وهو بحاجة للعناية المركزة فوراً، لكنه مات لاحقاً من الصدمة القلبية. المسألة جد وليست بالهزل. صديقي المفكر أبو علي تعرض لمثل هذه الأزمة، فأخذته فوراً إلى الطوارئ فنجا، أما أخوه أبو صالح فمات من التأخير والإرجاء. وسبحان من خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً وهو العزيز الغفور. أما صديقي أبوعبده فقال حين سألته عن الأزمة القلبية: هل تعرف ضرب السكاكين؟ لقد كان صدري يذبح. من هنا يسمونها الذبحة الصدرية. من الضروري للقارئ أن يفرق بين الذبحة والاحتشاء. الأول تضيق في شرايين القلب، حيث يصرخ القلب مستغيثاً. أما الثاني فهي نذير الموت. وهنا قد يموت المريض بصدمة القلب. في جامعة كولن يروي الدكتور إيرلاند أيردمان، رئيس قسم القلبية، عن المريض ديتمار (المدخن)، وكيف حضر للمرة الخامسة من أجل توسيع شرايين القلب. قال له عليك بالكف عن الدخان، فأجاب: إني أدخن ثلاثين سيجارة منذ ثلاثين سنة. حسبتها أنا فكانت أكثر من 200 كم طولاً! وأذكر صديقاً لي من بريدة في القصيم كان مدخناً نهماً، وقد قال: إن مت فأرجو زرع شجرة تنباك على قبري كي تمتص عظامي رحيق جذورها! على كل حال، حاول الدكتور أيردمان تسليك المكان (المسطوم) في شرايين القلب عند المدخن ديتمار. كان الانسداد بنسبة 80 في المئة. رفع الضغط تدريجياً، ولم يستجيب الشريان، زاد الضغط أكثر فأكثر، لكن ما من فائدة. فجأة تغير وجه الطبيب أيردمان: اللعنة، لقد انسد الشريان تماماً! بدأ المريض يتنهد متألماً، أعطته الممرضة نترات الجليسرين لتوسيع الشرايين مع حقنة مزيلة للألم. وفجأة صاح الدكتور أيردمان: الويل، لقد دخل القلب مرحلة الرجفان ولم يعد يقذف الدم! صاح من جديد: بسرعة، هاتوا لي مزيل الرجفان... بسرعة... بسرعة! تم صعق القلب مرتين فارتد بصيراً وبدأ يعمل، لكن الشريان كان قد تمزق، وهي أحد مضاعفات عملية التوسيع بالبالون. طار به فريق الأطباء إلى العناية الفائقة. حضر فوراً جراح القلب فيببرمان: إنه يحتاج إلى فتح الصدر فوراً. تم نقل ديتمار الذي تمزق الشريان التاجي عنده وزرع له شريانان جديدان في قلب مهترئ. نجا من الموت، لكنه عاد إلى الدخان وهو يردد: يموت المرء مرة واحدة بالدخان أو بدونه! أعرف أوعية المدخنين جيداً، وقد فتحت الكثير منها للتصليح والترقيع. كان الناس سابقاً يموتون بالاحتشاء، لكن معجزة الطب الحالية بين دواء وبالون وجراحة قلب، خفضت عدد الموتى بشكل واضح في السنين الأخيرة. لكن هناك صفحة سوداء في قصص احتشاء القلب، ليس مكان روايتها هنا بل سأرويها لاحقاً.