حوار ساخن جرى بين أبناء الإمارات قبل أسبوع تقريباً من خلال وسائل الإعلام الاجتماعي، سببه فكرة طرحها مصمم أزياء تهدف إلى خلق موضة لـ"الكندورة" الرجالية تتناسب والميول التشجيعية للأندية، فكل مشجع سيجد كندورة و"ستايل" خاصاً به حسب ذوقه ولون وشعار فريقه، وهذه التقليعة موجهة للجميع فهي لمختلف الأعمار لكنها تستهدف بالمقام الأول المراهقين والأطفال. حالة الاستياء التي عبّر عنها هؤلاء المشاركون انصبت في المقام الأول على البرنامج والقناة الرياضية التي حاورت هذا المصمم وحاولت أن تروّج بضاعته، وتنشر فكرته بين الشباب، وطرحهم أن الكندورة هي آخر ما تبقى لنا في مجال المحافظة على الهوية، فلماذا تريدون أن تسلبونا هذه الخصوصية. فهذه ليست مجرد زي، إنها رمز يميزنا. العبوا بعيداً عن هذا، هكذا عبروا. وانتقد العديد من الزملاء الكتّاب وخاصة في الصفحات الرياضية هذه الظاهرة، بحكم أن المدرجات والبرنامج الرياضي هو الذي فتح الباب لخروج مثل هذا الطرح الغريب والصوت النشاز كما كتبوا في وصفه. "العباية" و"الشيلة" والزي النسائي الإماراتي عموماً هو أول ما تم اختراقه في هذا المجال، بعد سنوات طويلة من الإغراءات ودعوات التجريب والتحرر من التقليدية والمطالبة بالتحول والتجديد، وما قابلها من هجوم مضاد، ومطالبة بالانتباه لهذا الخطر، وضرورة التمسك بالعادات من خلال عدم العبث بالزي الذي يعد أحد أركان الثقافة الوطنية. لكن التحوير والتطوير جاء بالتدرج وكان بطيئاً في بداياته، وحاول أن يحافظ على بعض الخصوصية خوفاً من ردة فعل المجتمع، خاصة فيما يعنى برمزية العباية وأهمية المحافظة على سماتها الرئيسية، لكن بعد ذلك كان الإيقاع أكثر سرعة، وفتح الباب واسعاً لصرعات الموضة وصرخات التغيير، فأصبح فضاء التجديد والتطوير من غير قيود ولا يعترف بضوابط وثوابت لابد من وجودها فيما يخص زي المرأة العربية والخليجية تحديداً. وغاب عرف "المنقود" وهو مفهوم انتقاد ما يخدش هوية التقاليد والعادات في ثقافة البيئة المحلية. لكن المجتمع الذي غض الطرف في حالات عن تطور العباية، كان يخرج ويعبر عن غضبه الشديد عندما يرى أن هذه الهوية قد تعرضت لشروخ ولدخول تقليعات صارخة لا يمكن السكوت عليها، فكان هجومه شديداً عندما خرجت قبل أيام ممثلة تنتمي إلى الإمارات خلال مهرجان فني وهي تلبس عباية بطريقة مشوهة وصادمة. ويتكرر هذا الغضب وتلك الدعوات من الرجال والنساء على حد سواء عند مشاهدتهم لسيدات من جنسيات أخرى يحاولن لبس الزي الإماراتي، وتحديداً العباية، ولكن على شاكلة عباية الفنانة السابقة. لكن هل على مجتمع الإمارات الذي أصبح مجتمعاً "كوزموبوليتانيا" يملك هذا الخليط من الجنسيات والهويات المختلفة، وأيضاً صانعاً ومصدراً وسوقاً مفتوحةً لصرعات الموضة العالمية، أن يتقبل الجديد باستمرار، وأن يندمج ويتطور ويبتكر فيما يخص زيه المحلي؟ وما هي حدود هذا الانفتاح؟ هل عليه أن يشجع اهتمامات ورغبات وتطلعات الجيل الجديد، وأن يتخلى عن الثوابت الرئيسية لهذه الأزياء؟ أم المطلوب منه أن يحافظ على زيه التقليدي، ويتمسك بالثوابت الرئيسية لخصوصية هذا الزي، هل يرفض التطوير تماماً، أو يوافق عليه في حدود ما يحفظ للزي هويته؟ من يقرأ الدراسات العلمية والبحوث التي كتبت عن تطور الأزياء العربية، مثل كتاب "تاريخ الأزياء العربية منذ فجر الإسلام إلى العصر الحديث"، لمؤلفته "ي. ك. ستيلمان"، يرى أن الأزياء كانت تعبر عن حال المجتمعات والدول التي حكمت وسادت في مختلف مراحل العصور الإسلامية، فتغيرت وتطورت وتأثرت بثقافات ومفاهيم مختلفة حسب طبيعة العصر والسلطة التي حكمت، فنجد أنه في أزمنة ما، تم فرض أزياء معينة على غير أهل البلد من ديانات أو جنسيات مختلفة، وأنه في بعض العصور غلب عامل التأثر بهويات أمم أخرى فاقتبست منها في طريقة اللبس وفنون الأزياء أو جارتها ومن ثم فقدت خصوصية زيها، بينما حضارات أخرى فرضت بصمتها وأثّرت في غيرها كأزياء الدولة العثمانية الرجالية تحديداً التي انتشرت في مختلف بلاد الشام ومصر، أو الثوب النسائي الأندلسي الشهير الذي لا يزال يلبس حتى اليوم في المناسبات ببلاد المغرب، والذي تأثرت به إسبانيا ونقلته بدورها إلى أوروبا. والأزياء في الإمارات لها تاريخ، وهي جزء من حضارة المكان وهوية هذا المجتمع وقد تطورت بشكل تدريجي وأخذت سمات ميّزتها في كل مرحلة، كما رصد ذلك كتاب "سلطاني" لمؤلفته الدكتور ريم المتولي. لكن هذا الزي حافظ على الخصوصية رغم التطور والتجديد، ورغم التبادل الثقافي والتأثر بالحضارات الأخرى التي عرفها إنسان هذا المكان، وسافر إليها أو استقر بعض أهلها هنا. لهذا تبقى دعوات أن تظل الكندورة كما هي في هيئتها وثوابتها، وأن تكون سمات العباية كما قامت وانتشرت، فالأزياء هنا تمثل هوية الإنسان وثقافته وحضارته، ويمكن أن يكون هذا الزي بأناقته وجماليته مؤثراً ويعطي أهله الخصوصية والتفرد ويمكن أن يحاكي أو تنقله مجتمعات أخرى، وأن التطوير بما يناسب رغبات واهتمامات الجيل الجديد مطلوبة أو أنها ستفرض وجودها لكن بما لا يشوه ويسيء إلى هذا الزي. كما أن الإعلام والدراما يمكنهما أن يقوما بترسيخ ثقافة وحضارة الأزياء الإماراتية، بتقديم العمل الجيد والنموذج المميز وصناعة الصورة الذهنية عن ثقافة اللباس وفنونه وجمالياته. وهناك أعمال فنية عديدة ساهمت في ذلك، كما أن هناك أعمالاً أخرى ساهمت في تشويه وتخريب الأزياء واللهجة والتقاليد وغيرها من مفردات المجتمع وخصوصيته. فالإعلام كما يُردد دائماً هو علم وفن وهو ثقافة وهوية أيضاً.