ماذا لو كان من حق المجتمع العالمي أن يتساءل: هل القوة الأولى والكبرى فيه لديها بالفعل سياسة خارجية أم لا؟ ماذا لو تبين أنه على الرغم من كل الرطانة الحالية عن الاستراتيجية الكبرى، فإن الحقيقة التي لا مراء فيها أنها لا تمتلك استراتيجية على الإطلاق؟ وماذا لو- وهذه فكرة أكثر جرأة بكثير- تبين أن عدم امتلاك أجندة عالمية، وعدم إعلان أن لأميركا مصلحة حيوية هنا، أو هنالك، أو في أي مكان، هي في الواقع الطريقة العملية للمضي قدماً وسط الظروف العالمية الحالية المضطربة، غير القابلة للتنبؤ؟ وهل واجهت القوى الأولى في العالم في أي عصر ما تواجه الولايات المتحدة في الوقت الراهن؟ ذات مرة طلب مجلس اللوردات من روبرت سيسيل (ماركيز سالزبوري الثالث)- الذي كان واحداً من أعظم من شغلوا منصب وزير خارجية بريطانيا في القرن التاسع عشر- أن يلخص استراتيجية حكومته الأساسية للتعامل مع تعقيدات الشؤون العالمية في ذلك الوقت، فأجاب بطريقته التي يخلط فيها السخرية بالجد أن تلك السياسة تتمثل- من حيث الجوهر- في ترك قاربه ينجرف بسلاسة مع التيار مع وضع خطافات واقية على بدنه الخارجي لتجنب الاصطدام بأي شيء عرضاً. لقد كنت أشعر دوماً بقدر من التعاطف مع "سالزبوري" بسبب الموقف الذي كان يجد نفسه فيه آنذاك حيث لم يكن المزاج السياسي في البلاد متفائلًا، وكان هناك نوع من القلق بسبب احتدام حدة المنافسة في مجال التجارة الخارجية، كما كانت الولاءات الوطنية الحزبية التقليدية آخذه في التفتت، ولم يكن هناك سوى القليل من الأشياء، التي يمكن للحكومة أن تقوم بها وتنال رضا الشعب. وكانت مقولة "سالزبوري" ترد على ذهني كثيراً، وتطرح أسئلة عديدة، عندما شغلت نفسي بالتفكير في سياسة إدارة أوباما الخارجية خلال السنوات الماضية، وما تعرضت له من هجوم من جانب منتقديها. من أمثال تلك الأسئلة: ألم تكن تلك هي السياسة، التي تؤخذ دائماً على حين غرة سواء في أحداث "الربيع العربي"، أو الانتفاضة العربية، أو حمام الدم السوري، أو تدهور الوضع الأمني في أفغانستان والعراق، أو الهجوم على السفارة الأميركية في بنغازي؟ هل كان لتلك الإدارة سياسة معينة تجاه إيران وإسرائيل، وإذا ما كان لها مثل هذه السياسة... فما هي بالضبط؟ وما الذي ستفعله في مواجهة التصرفات الصينية في الشرق الأقصى؟ وهل ستترك "اليورو" يسقط ببساطة في حين تقف هي مكتوفة اليدين، على الرغم مما يمكن أن يترتب على ذلك من أضرار فادحة على معدلات النمو الاقتصادي العالمي- المتناقصة بالفعل؟ يمكن للقراء، بالطبع، أن يضيفوا لهذه القائمة ما يشاؤون من أسئلة، ولكن النتيجة في نهاية المطاف أن السياسة الخارجية للقوة الأولى في العالم لم تكن تزيد على أنها تترك نفسها كي تنجرف مع التيار، دون أن يكون لديها سوى إحساس ضئيل للغاية بنقطة الوصول. حسناً ولكن ماذا عن القضية المضادة التي تقدمها الإدارة لذلك، من خلال عدد من الحجج المنطقية التي توضح أن ذلك كان هو الموقف العملي الوحيد الذي كان يمكن لأي رئيس أميركي أن يتخذه على ضوء الظروف الراهنة السائدة في العالم؟ يلوح لي أن هناك ثلاثة عناصر منفصلة يجب تفعيلها معاً، على الرغم من أنه يبدو أن لا أحد هناك- للأسف- يقوم بذلك. العنصر الأول: الوضع الجيوبوليتيكي المحظوظ للغاية التي تجد الولايات المتحدة نفسها فيه بالنسبة للجيران، فليس هناك سوى دولة صديقة في الشمال، ودولة مضطربة، ولكن ضعيفة هي المكسيك في الجنوب. في حين تتمتع الولايات المتحدة، بإمدادات مؤمنة من المياه العذبة، وبعدد من نقاط القوة الأخرى مثل جامعاتها البحثية المتطورة، ومواردها المعدنية الغنية، فضلاً عن أن مستقبلها الديموغرافي يعد بالمقارنة بغيره مستقبلًا مواتياً. وطالما أن الأمر كذلك ، فما الذي يدفع الولايات المتحدة للاندفاع والهرولة هنا وهناك في كل مكان تقريباً؟ ولماذا لا تظل ساكنة لبعض الوقت، كما فعل "روزفلت" خلال السنوات 1936-1941. العنصر الثاني: لماذا لا نعترف بأن القوة الأولى في العالم تعاني من عوار وقصور دستوري عندما يتعلق الأمر بمعالجة مسائل السياسة الخارجية؟ ما نشهده هذه الأيام هو عجز أميركي عن اتخاذ القرارات الصعبة لأن ما لدينا حالياً هو شكل من أشكال الحكومة، ينتمي إلى أواخر القرن الثامن عشر، ولكن مطلوباً منه التعامل مع قضايا ومشكلات العالم في القرن الحادي والعشرين، الذي تتميز سياساته العالمية بحالة من السيولة الشديدة. ونظراً لأن الرئيس يأتي من حزب معين في حين يكون الكونجرس في غالبية الأحيان تحت سيطرة الحزب المنافس، فكيف يمكن لأي أحد أن يتخيل إمكانية صدور قرارات حازمة بشأن موضوعات مراوغة، يصعب السيطرة عليها مثل السياسة تجاه الفلسطينيين، أو الطرق والأساليب التي يمكن بها تقليص الميزانية الدفاعية؟ في مواجهة مثل هذه الظروف والحقائق يبدو الرئيس كنسخة حديثة من شخصية جاليفر(في قصة رحلات جاليفر للأديب الأميركي الشهير جوناثان سويفت) عندما وجد نفسه مقيداً بعدد هائل من القيود التي قيده بها أقزام جزيرة"ليليبوت"، الذين اعتقدوا أنه عملاق جاء يغزو جزيرتهم- وذلك أكثر من كونه رئيساً للقوة الأولى في العالم. العنصر الثالث والأخير: هناك الصعوبة الدائمة التي تواجهها الولايات المتحدة في ترتيب أولويات السياسة الخارجية. ففي غيبة هجوم كبير مثل هجوم "بيرل هاربر" يمكن أن يُحدث حالة كاملة من التعبئة والحشد، مماثلة لتلك التي تحدث في وقت الحروب، فإن الحكومة الأميركية تجد نفسها عرضة لتجاذبات في مختلف الاتجاهات من قبل جماعات الضغط وقوى المصالح الخاصة، والجماعات الإثنية والدينية الفرعية وما شابهها. كتب سير "هالفورد ماكيندر" الجغرافي البريطاني الشهير وصاحب النظريات الأولى في الجيوبوليتيكا في مؤلفه الرائد المعنون "المبادئ والمثل الديمقراطية"، يقول:"إن الدول الديمقراطية ترفض أن تفكر استراتيجياً إلا إذا ما اضطرت أن تفعل ذلك لأغراض دفاعية". والإدارة الحالية التي تواجه كونجرس معادياً، ربما تشعر بأنها في موقف شبيه بالموقف الذي قصده "ماكيندر". لذلك فإنه ومهما كان الفائز بالانتخابات القادمة في نوفمبر، فإن المتوقع هو أن تظل السياسات الخارجية الأميركية تجاه العالم فاترة وغير حاسمة على مستوى الاستراتيجيات الكبرى، مما يعني أنها ستبدو" كسولة" على نحو ما. ولكن العزاء الحقيقي، أننا لو أخذنا في اعتبارنا نقاط القوة التي تتمتع بها الولايات المتحدة، ونقاط الضعف البينوية الكامنة في الصين وروسيا وإيران وملالي الإسلام وكل الباقين، فإن ذلك لن يعد شيئاً سيئاً في حد ذاته. إن ما قد يدهش كافة لوبيات الناشطين، وتلك الكوكبة من الاستراتيجيين الجالسين على مكاتبهم هو أن هذه الدولة قد تنجرف مع التيار لفترة أطول، إلى أن تصطدم بعائق على هيئة حادث كبير يغير المسار. ولكن ماذا يمكن أن يكون عند ذلك الحادث التحويلي؟ ليس هناك رأي، ولا سيناريو، لديه القدرة على تقديم إجابة، يمكن أن تقنعني. --------- ينشر بترتيب خاص مع خدمة "تريبيون ميديا سيرفس"