تشهد الأزمة السورية حالياً تمديداً جديداً لمرحلة اللاحسم التي يدفع إليها تردد الجميع خارج سورياً عربياً وإقليمياً ودولياً في اتخاذ مواقف حاسمة تنتصر للشعب وتقضي على النظام المجرم، وحده الشعب السوري وبعزيمة أبنائه وإصرارهم وتكاتفهم يبقون جذوة القضية متقدةً وأجراس الخطر معلقةً. بعد مهمة الدابي الفاشلة ونظيرتها مهمة عنان جاء الدور على السيد الأخضر الإبراهيمي ليخوض مهمةً محكوم عليها بالفشل حتى قبل أن تبدأ ذلك أنه بدون أي تغيّر حقيقي في سياسات ومواقف الدول المؤيدة للشعب السوري وبالمقابل استمرار الدعم الكامل من روسيا والصين وإيران والعراق و"حزب الله" لنظام بشار الأسد وقواته المسلحة وكتائبه الأمنية وشبيحته وأزلامه فلن يحدث شيء جديد. في ظل هذه المعادلة الجائرة والظالمة، فإنّ الإبراهيمي وهو رجل كثير التجوال قليل الكلام قد تمخّضت خطّته عن الدعوة لفرض هدنة بين الطرفين، فعن أي هدنة يتحدث الإبراهيمي؟ وهل يجوز طرح القضية السورية وما يجري في سوريا بهذا الشكل، أي أن يتمّ التعامل معها على أساس طرفين متقاتلين يملكان نفس المبررات والمقوّمات والقوة؟ إنّ في هذا ظلماً من حيث المبدأ للشعب السوري الذي بدأ ثورته سلمياً لأشهر حتى دفعه النظام عن وعي إلى حمل السلاح والدفاع عن نفسه. إنّ هدنة كهذه لن تزحزح النظام عن قناعاته ومبادئه ولن تقلّل من دمويته ووحشيته، وفضلاً عن استحالة تأمين هكذا هدنة أو الوثوق بها أو ضمان تطبيقها فإنها فيما لو جرت فإن قصارى أمرها أن تمنح النظام فرصةً لإعادة ترتيب صفوفه والاستزادة من السلاح والإمعان في التخطيط لتدمير أكبر وتخريب أعمّ وأشمل. طبيعة السياسة أن تفتش عن المصالح، ومن هنا فإنّ لكل طرف إقليمي أو دولي مصالحه في مستقبل سوريا، بعضها مرتبط مع مصالح الشعب السوري وبعضها مرتبطة مع مصالح النظام وبعضها لم يحدد موطئ قدمه بعد، فالأول تشترك فيه كل من تركيا والولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي ودوله الكبرى تحديداً وكذلك بعض الدول العربية وعلى رأسها السعودية وقطر، والثاني أي الدول التي ترتبط مصالحها بمصالح النظام السوري نجد روسيا والصين والعراق، ولم تزل دول أخرى تتأرجح ولمّا تحدد مواقفها بعد. ربما كان قدر الشعب السوري أن يكون هو عنق الزجاجة الذي يجب أن تخرج منه كل تقاطعات المصالح وتشابكات الأيديولوجيات وتناقضات التاريخ وتعقيدات الجغرافيا في هذا المنطقة، التي لم تزل مضطربةً في هذا الجزء من العالم. ربما لا يتنبه الكثيرون إلى أنّ نار المأساة السورية كلما طال أمد استفحالها وتأجيل اتخاذ قرارات جريئة لحلها وإنهائها كلما أصبحت ناراً ذات شعب ترمي بالفتن والقلاقل ذات اليمين وذات الشمال مكانياً، وتخزّن وقودها للامتداد والاستمرار زمانياً، ما يؤكد أن دفع ضريبة ما لحلها بأسرع وقت هو أفضل كثيراً من تأجيلها الذي سيرفع الضريبة وينشر الأضرار، وما عملية اغتيال اللواء اللبناني وسام الحسن بكل رمزيتها عنا ببعيد. لعله ليس من حق المراقبين أن يلقوا باللوم على المعارضة السورية والثوّار السوريين – مع التأكيد على أهمية نقدهم وتسليط الضوء على أخطائهم- ما داموا لم يجدوا حاضناً يحتويهم، ليوحدوا الصفوف، ويواصلوا الدعم، ويجمعوا التفرق على خطط مشتركة وتشكيلات متجانسة وإن بالحدّ الأدنى لعمل شيءٍ ما ينقلهم جميعاً من التخبط الذي عاشوه في الأشهر الماضية إلى مستويات أخرى تكون أكثر فعالية في نصرة الشعب السوري وإنهاء أزمته. ثمة طرق مفتوحة لصنع الفارق في سوريا منها السعي لتوحيد المعبرين عن إرادة الشعب السوري سياسياً وعسكرياً تحت تنظيم واحد أو تنظيمات قليلة بما يلم شعثهم ويضمن توفير الدعم اللازم ويلغي كل المحاذير التي قد يطرحها هذا الطرف أو ذاك فالتعامل سياسياً أو عسكرياً مع قيادة موحدة هو الحل المقبول فلا أحد يستطيع التفاهم مع أفراد أو مجموعات مشتتة. ومن تلك الطرق كذلك تطوير العمليات المتفرقة في عرض البلاد وطولها لتصبح عمليات نوعية مركزة تضعضع تماسك النظام وتفتّ في عضد من لم يزالوا يصرّون على البقاء تحت لوائه، وتمنح فرصةً أكبر للانشقاق عليه والنأي عنه، مع توفير كل ما تحتاجه عمليات كتلك من دعم لوجستي وعسكري إن بالتخطيط وإن بنوعية التسليح وإن بغيرها من العوامل لضمان أوسع مدى ممكن من التأثير. ومن تلك الطرق أيضاً محاولات التأثير والدفع للانشقاق في النواة الصلبة التي لم تزل تحمي النظام لأنها تعتقد أنّ مستقبلها مرتهنٌ بالكامل لمستقبل النظام، وأعني بذلك بقايا المؤدلجين العقائديين في حزب "البعث" وكذلك -وبأهمية أكبر- الطائفة العلوية التي ربط حافظ الأسد ولاءها وكيانها به وبعائلته وبنظامه، واستمر بشار على ما كان عوّده أبوه، وأخصّ منها العوائل والأفراد الذين يتولون مناصب حساسة سياسياً أو عسكرياً أو أمنياً، وكلما كبرت هذه الانشقاقات نوعياً أو كثرت كمياً كلما كان أثرها أكبر وأسرع وأوسع. إن فهم دوافع النفس البشرية مهم في هذا السياق، فالمثال الأخير المتعلق بالطائفة العلوية أو بالأصح من ارتبطوا منها بمصالح متشابكة مع النظام لن يتخلّو عنها بسهولة ما لم يقتنعوا بأنّ بقاءهم مع النظام سيجلب عليهم خسائر أكبر، والأمر ذاته ينطبق على المعارضة ومجموعاتها المسلحة وقادتها الميدانيين فما لم يتمّ إقناعهم بأنّ مصالحهم متحدين أكبر بكثير من مصالحهم مشتتين، فلن يجدوا أبداً طريقهم لخدمة القضية الكبرى قضية تحرير سوريا من حكم مستبد دموي لا مثيل له في العصر الحديث. لا تندفع النفس البشرية خلف المصالح، فحسب بل لها دوافع كثيرة مختلفة ومتعددة من أهمها في هذا السياق الدافع الأيديولوجي بكل تجلياته سواء حرّكته السياسة أم لا، فمثلاً ما الذي يدفع مقاتلاً إيرانياً أو عراقياً أو لبنانياً لخوض معارك ضارية قد تودي به للهلاك ضد شعب لا يعرفه ولا يحمل عليه إحناً شخصيةً أو ضغائن اجتماعية؟ وبالمقابل فإنّ الأوضاع الاستثنائية التي يتعرض لها الشعب السوري ستحرّك كوامن أيديولوجية مقابلة لدى الأكثرية في العالم العربي والإسلامي، وسيدخل على المشهد مقاتلون أيديولوجيون -وقد فعل بعضهم بالفعل- وستتحوّل الحرب هناك للأيديولوجيا العقائدية والطائفية وحينها سيكون الخرق قد اتسع على الراقع. إنّ لغة المصالح وأصوات أجراس الخطر التي تقرع وإمكانية تحوّل الصراع للأيديولوجيا، وفرصة انبعاث كوامن التخلف كلها تؤكد أنّ الإسراع بإنهاء الصراع أفضل بكل الأحوال من الانتظار.