لكثرة ما خالط الأزمة السياسية في سوريا من انتهاكات لحقوق الإنسان، لم تتوقف كثير من المنظمات الإقليمية والدولية عن الجأر بالتحذير من تحول الأزمة إلى كارثة إنسانية شاملة. ومن أحدث التحذيرات والتنبيهات، وأهمها في هذا المضمار، مطالبة "تافي بيلاي"، المفوضة السامية لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة، والتي دعت فيها مجلس الأمن الدولي لـ"التحدث بصوت واحد" بغية وقف إراقة الدماء في سوريا، وقالت إن ذلك سيمثل رسالة قوية لضمان أن لا يتكرر هناك ما حصل في مدينة سربرنيتشا البوسنية. لكن من هي "بيلافي"؟ وكيف تنظر إلى ما صار عليه الوضع في سوريا؟ وماذا فعلت المفوضية السامية لحقوق الإنسان لصالح السوريين في المدن والأرياف، وفي مخيمات النزوح واللجوء؟ نافي بيلاي محامية من جنوب أفريقيا، وناشطة سابقة ضد نظام الآبارتايد. أصبحت في عام 1995 أول امرأة تترأس المحكمة العليا في جنوب أفريقيا، ثم ترأست المحكمة الجنائية الدولية الخاصة بروندا، قبل أن تصبح من القضاة الثمانية عشر الأوائل الذين عينوا في المحكمة الجنائية الدولية لدى تأسيسها. وبعد ذلك أصبحت المفوض السامي لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة عام 2008، لولاية مدتها أربع سنوات، تم تجديدها في سبتمبر الماضي، لكن لسنتين فقط، جرّاء ضغوط من الولايات المتحدة بسبب آراء "بيلاي" حول الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. وقد ولدت نافي بيلاي في جنوب أفريقيا عام 1941، لعائلة هندية فقيرة من عرقية التاميل، ونشأت في حي هامشي بضواحي دوربان. وبفضل التعاون الوثيق بين أفراد الجالية الهندية في جنوب أفريقيا، وما تخصصه من تبرعات للطلاب المتفوقين، تابعت "نافي" دراستها في جامعة ناتال ونالت درجة البكالوريوس في الحقوق عام 1963. وبعد زواجها عام 1965 بالمحامي "جابي بيلاي" الذي أنجبت منه ابنتيها، أصبحت أول امرأة تؤسس مكتباً للمحاماة في إقليم ناتال عام 1967. وقالت فيما بعد إنه لم يكن لديها خيار آخر، إذ لا يوجد مكتب محاماة يقبل بتوظيف الهنود، بل لم يكن نظام الآبارتايد القائم على الفصل بين الجماعات العرقية في البلاد، يسمح بدخول محامين من غير البيض إلى مكاتب القضاة. وخلال فترة 28 سنة قضتها محامية في جنوب أفريقيا، دافعت بيلاي عن مناهضي الفصل العنصري، ووثّقت الكثير من أساليب التعذيب على أيدي الشرطة وظروف احتجاز السجناء السياسيين. وعندما سُجن زوجها تحت قوانين الفصل العنصري الخاصة بالأمن الداخلي، أطلقت حملة ناجحة ضد تلك القوانين، واستصدرت حكماً قضائياً بمنع استخدام الشرطة أساليب الاستجواب غير القانونية ضده. وفي عام 1973، حصلت على حكم قضائي آخر يمنح المعتقلين في سجن جزيرة روبن، وضمنهم نيلسون مانديلا، حق الدفاع القانوني وتوكيل محامين للمرافعة عنهم. وفي تلك الأثناء واصلت بيلاي دراستها في مجال القانون، فحصلت على شهادة الماجستير من جامعة هارفارد عام 1982، ثم على الدكتوراه في العلوم القضائية من الجامعة ذاتها عام 1988. كما شاركت بيلاي في تأسيس مكتب لتقديم الاستشارات لضحايا الاغتصاب، وأسست ملجأً لضحايا العنف المنزلي. وفي عام 1992، ساهمت في إنشاء مجموعة دولية لـ"مساواة المرأة الآن". وبوصفها عضواً في "التحالف الوطني للمرأة"، شاركت في إدراج كثير من مطالباتها الحقوقية ضمن دستور جنوب أفريقيا لعام 1996. وقبل ذلك بعام، أي في السنة التي تلت انضمامها لـ"حزب المؤتمر الوطني الأفريقي"، تم اختيارها من قبل مانديلا لتكون أول امرأة ملونة ترأس المحكمة العليا في جنوب أفريقيا، فقالت: "للمرة الأولى أدخل مكتب قاض، كأني أسير بين الألغام". وفي عام 1999 تم انتخابها من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة قاضياً في المحكمة الجنائية الدولية حول رواندا، وكانت المرأة الوحيدة في المحكمة، حيث بقيت ثماني سنوات، ضمنها أربع سنوات كرئيس للمحكمة. وتميزت فترة رئاستها للمحكمة بالأحكام الصادرة في قضية "جان بول أكاييسو"، والتي أرادت من خلالها وضع الاغتصاب والاعتداء الجنسي في إطار جرائم الإبادة الجماعية. وقالت بيلاي حينها: "كان ينظر للاغتصاب دائماً على أنه من غنائم الحرب، أما الآن فأصبحنا نعتبره جريمة حرب. نريد إعطاء إشارة قوية بأن الاغتصاب لم يعد نَخب انتصار في الحرب". ومرة أخرى كانت بيلاي المرأة الوحيدة في المحكمة الجنائية الدولية لدى اختيار هيئتها لأول مرة في فبراير 2003، حيث تم انتخابها لترأس شعبة الاستئناف خلال ولاية مدتها ست سنوات. لكنها استقالت في أغسطس 2008 لتتولى مهام منصبها الجديد على رأس المفوضية السامية لحقوق الإنسان، بعد أن رشحها لهذا المنصب أمين عام الأمم المتحدة بان كي مون في 24 يوليو 2008، لخلافة لويز أربور. وحاولت الولايات المتحدة عرقلة تعيين بيلاي بسبب وجهات نظرها حول الإجهاض والاحتلال الإسرائيلي في فلسطين، وقضايا أخرى، لكن واشنطن تخلت أخيراً عن معارضتها. وخلال اجتماع خاص في 28 يوليو 2008، أكدت الجمعية العامة للأمم المتحدة تعيين بيلاي بتوافق الآراء، لتبدأ ولايتها البالغة أربع سنوات يوم الأول من سبتمبر 2008. وقد أعربت بيلاي عن رغبة خاصة في أن تظل المفوضية السامية لحقوق الإنسان صوتاً للضحايا في كل مكان. ومعلوم أن المفوضية السامية لحقوق الإنسان تجسد التزام العالم حيال المبادئ الكلية لكرامة الإنسان، وهي تتمتع بولاية عالمية فيما يتعلق بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية. ومن مقر المفوضية في جنيف، والذي يعمل به 850 موظفاً دولياً، تتابع بيلاي الأحداث الجارية في سوريا منذ إبريل 2011. وكما أدانت أعمال البطش والتنكيل التي قالت مراراً إن النظام السوري يرتكبها بحق شعبه، حذّرت أيضاً من أن بعض ممارسات المعارضة المسلحة قد ترقى إلى مستوى جرائم الحرب. لذلك وجهت بيلاي في فبراير الماضي دعوةً من أجل إحالة الملف السوري للمحكمة الجنائية الدولية، وقالت إن مواجهة "الانتهاكات التي لا توصف في سوريا، والتي تجري في كل لحظة"، تعزز قناعتها بأهمية ذلك الإجراء. لكن مواقف بيلاي في هذا الشأن لا تتجاوز كثيراً أهميتها السياسية والإعلامية، لضعف الطابع الإلزامي في قرارات المفوضية، ولافتقارها إلى الآليات التنفيذية اللازمة لإنفاذ مرئياتها حول الأزمات الإنسانية، ومنها الأزمة السورية الحالية.