بصراحته وشفافيته ومصداقيته المعهودة يطل علينا معهد الإمارات للدراسات المصرفية والمالية بإحصائيات حديثة عن واقع التوطين في القطاع المصرفي. وهو واقع قاتم، للأسف الشديد، ويبرز وجه التشاؤم. ومن يدقق بين السطور قد يجد لسان حال المسؤولين يقول: لقد بذلنا كل ما في وسعنا من جهد لزيادة معدل التوطين في القطاع المصرفي إلا أننا نتفاجأ بالنتائج السلبية، التي تدعو فعلاً إلى التشاؤم لو لم يتم تدارك الأمر وتفاعل كافة مؤسسات الدولة المعنية بالأمر بروح متجانسة ومتآلفة وكأنها وحدة إدارية واحدة لوضع خطة استراتيجية واضحة للتوطين، بحيث تكون الخطة طموحةً وواقعيةً وشاملةً وعامةً وعادلةً ومتوازنةً وقابلةً للتطبيق بآليات مرنة وإجراءات ميسرة. والتساؤلات التي تطرح ذاتها هي: هل يجب أن يتم إلزام القطاع المصرفي بالتوطين بقوة القانون؟ ومن هي الجهة الحكومية التي سوف تتولى تطبيق ذلك القانون ومتابعته والإشراف عليه؟ وهل نتوقع من المصارف أن تتحايل على القانون في حال تطبيقه؟ ومن هي الجهة الحكومية المعنية بشكل مباشر بوضع الخطة الاستراتيجية للتوطين في هذا القطاع؟ وإذا كانت مجالس إدارات البنوك غير مقتنعة بالتوطين وكفاءات المواطنين، مع أنهم قطعاً مخطئون في ذلك، فلماذا لا ينظرون إلى التوطين من زاوية رد الجميل لوطنهم الذي أعطاهم بلا حدود. فالحقيقة التي يجب أن تدركها وتعيها مجالس إدارات البنوك أن القطاع العام -أي الدولة- هي المحرك الفعلي لقطاع البنوك، وليس العكس، وبالتالي فإن البنوك يجب عليها أن تنصاع إلى السياسة العامة للدولة وأهدافها وأن تستجيب لداعي التوطين، ولا تتجاهله. وأعتقد أن قانون إلزام البنوك بالتوطين قد يعالج جزءاً كبيراً من المشكلة إذا ما تم تطبيقه ومتابعته بشكل صحيح.
ولقد أشارت التقارير إلى أنه في بداية 1977 بلغ عدد فروع البنوك العاملة في الدولة 353 فرعا، وبلغ إجمالي الموظفين العاملين فيها 13615 موظفا، وبلغت نسبة التوطين 9.38% . أما معدل نمو التوطين في القطاع المصرفي فقد بلغ 0.4% فقط خلال النصف الأول من عام 2003، وهو معدل أقل بكثير من الهدف الذي وضعته لجنة تنمية الموارد البشرية في القطاع المصرفي، والذي كان 2% وذلك رغم نمو إجمالي عدد الموظفين في القطاع المصرفي في الدولة من 15848 موظفا إلى 16175 موظفا أي حوالي 2.06% خلال نفس الفترة المذكورة. والذي يعني بدوره أن عدد الموظفين الوافدين في القطاع المصرفي ينمو بأكثر من خمسة أضعاف نمو عدد الموظفين المواطنين. وفي 31 ديسمبر 2003 وصل عدد فروع البنوك إلى 454 فرعا، ووصل إجمالي عدد الموظفين العاملين فيها إلى 17060 موظفا، ووصلت نسبة التوطين إلى 26%. وفي يونيو 2004 سجل مستوى التوطين انخفاضاً ملحوظاً حيث تراجعت نسبة التوطين إلى 25.56% ، في الوقت الذي ازداد فيه عدد الفروع ليصل إلى 459 فرعا، وازداد إجمالي الموظفين العاملين فيها بمعدل 3.546% إلى 17665 موظفا. أي أن معدل نمو التوطين خلال النصف الأول من عام 2004 قد وصل إلى حوالي 0.47 % . أي أن القطاع المصرفي قد قام خلال الفترة من نهاية 2003 وحتى يونيو 2004 بتعيين 605 موظفين جدد بينهم 80 مواطناً ومواطنة فقط، وهذا يتناقض تماماً مع الأهداف العامة للدولة وسياساتها الاقتصادية الهادفة إلى تنمية الموارد البشرية وزيادة نسبة التوطين وتوفير فرص العيش الكريم للمواطنين. وقد أوضحت التقارير كذلك أن هناك نسبة عالية من الاستقالات ما بين الموظفين المواطنين من القطاع المصرفي 87% منها تخص الإناث. وقد بلغ عدد استقالات الموظفين المواطنين من القطاع المصرفي حوالي 254 موظفا في عام 2001 وحوالي 360 موظفا في عام 2002، وحوالي 215 موظفا في النصف الأول من عام 2003.
وإذا ما قمنا باحتساب النسبة الموزونة للتوطين، والمعدل الموزون للتوطين أيضاً، بعيداً عن لغة الأرقام المطلقة المجردة، آخذين بعين الاعتبار الجانب النوعي والكيفي للتوطين والشفاعات غير العادلة السائدة في سوق العمل اليوم وتجاهل الكفاءات والتخصصات، ومعدلات النمو الاقتصادي العالية التي يحققها قطاع البنوك والقطاع المالي أيضاً، فإننا قطعاً سوف نصدم بنتائج معدل التوطين الموزون ونسبته الموزونة، التي بلا شك سوف تكون متدنيةً بصورةٍ مخيفةٍ للغاية.
وإذا ما قمنا بتحليل واقع التوطين في البنوك منفردة سوف نجد بأن هناك 27 بنكاً انخفضت فيها نسبة التوطين خلال النصف الأول من عام 2004. وأن من بين هذه البنوك 11 بنكاً وطنياً. وهذا يبرهن بالدليل الدامغ على أن عملية توطين القوة العاملة في القطاع الخاص بشكل عام والقطاع المصرفي بشكل خاص لا يمكن أن تتم بشكل ينسجم مع أهداف الدولة وتطلعاتها إذا ما تركت وفقاً لآلية سوق العمل وقوى العرض والطلب، وذلك لأن سوق العمل في الدولة يعاني من سياسة الإغراق، والتي تقع في شراكها كافة المنشآت، التي تهدف إلى الربح السريع ولا تعطي أدنى اعتبار للمدى البعيد.
ولا بد لنا من دراسة الأسباب والمبررات التي تقف وراء استقالات المواطنين في