معرّة النعمان في يد المعارضة السورية. وقبل السيطرة عليها أصيبت بأضرار كبيرة، وبعدها دمّرت أحياء بكاملها، حيث دمّر أحد مساجدها بالطيران وقتل كل الذين لجأوا إليه باستثناء طفلة. في حلب دمّرت أحياء جديدة. في حمص تستكمل عملية التدمير، وكذلك الرستن والقصير وريف دمشق ومناطق أخرى. أجواء سوريا مستباحة بالطيران القوة الأكثر فعالية في الحرب الدائرة هناك. مشهد مروّع. جيش قوي يملك قوة نارية هائلة وأسلحة نوعية مختلفة ومعارضة لا تملك شيئاً يذكر. جيش يستقوي على الناس من الجو ويغرق في ارتكاب الفظاعات على الأرض. ومعارضة مشتتة تريد التغيير لكنها تقع في أفخاخ كثيرة وتمارس ممارسات يشبه بعضها ما يمارسه النظام، لكنها بالتأكيد لا تملك أسلحته وقوته النارية. الطيران يدمّر كل شيء، وعمليات الانتقام لا رحمة فيها. القتل الجماعي هو سمة التصفيات التي تشهدها مناطق وأحياء كثيرة. العالم يتفرّج، وثمة عجز دولي وعجز عربي عن القيام بأي شيء. الذين يعارضون النظام ويريدون وضع حد لتصرفاته وممارساته وسياساته مختلفون فيما بينهم وعاجزون ومترددون وقلقون غير متفقين على رؤية واحدة وغارقون في حساباتهم الخاصة بدولهم سياسياً ومالياً وانتخابياً والنظام باقٍ مستمر في ما يقوم به. والمؤيدون للنظام ويريدون حمايته لا يقدرون على ذلك فعلياً بل يواجهون أزمات كثيرة. وصورة النظام لا يدافع عنها، بل كل حماته ينتقدونه. لكنهم يتمسكون به حتى إشعار آخر. إنهم يبحثون عن مواقعهم ومصالحهم لا عن موقعه "المستقل" ومصلحته "الخاصة". هي لعبة الأمم ومصالح الدول وحسابات الكبار التي يدفع ثمنها الصغار والناس الفقراء، والاقتصاد والمجتمع والدولة كمؤسسات. نعم، كل الممارسات تؤدي إلى سوريا مدمرة مسحوقة، فالمتمسك بالبقاء لن يبقى طويلاً. في النهاية سيذهب، ولكن المدة التي سيبقاها، سيبقاها على ماذا؟ على الركام لينتهي حتفه؟ ما الفائدة من البقاء على رأس سلطة لا تجد شيئاً لتمارس عليه؟ والذي يريد التغيير ماذا سيقدم للناس؟ ماذا سيفعل؟ على ماذا سيُقيم؟ ماذا سيحكم؟ كيف سيحكم؟ كيف سيبني؟ من سيبني؟ الحروب نعرف كيف تبدأ ولكن لا أحد منا يعرف كيف تنتهي، وبالتأكيد ما ستنتهي إليه الحرب في سوريا كارثي خطير. وعندما نسمع الأخضر الإبراهيمي يقول إن نار الأزمة السورية ستمتّد إلى مواقع أخرى فهو محق. قد لا يكون ذلك سريعاً. لكن انعكاساتها مؤكدة في دول الجوار وأبعد منها. الذين يأتون إلى القتال في سوريا اليوم ماذا سيفعلون غداً؟ سينتقلون إلى مكان آخر أو إلى دولهم. يعني ستكون حروب عندهم. والذين يرتكبون المجازر في الداخل ماذا سيفعلون؟ إلى أين سيذهبون؟ والذين يغذون الحالة المذهبية أو "الحالات المتطرفة" باسم الدين على أرض غيرهم سيجدونها على أراضيهم لاحقاً. هذا هو منطق اللعبة الدائرة. وهذه هي الوقائع والحقائق المستخلصة من الحروب السابقة المماثلة. لإسرائيل المصلحة الكبرى في ما يجري. دولة عربية كبرى تدمّر. فلتبقى الحرب قائمة. ليطول أمدها. لتتعمق الأحقاد في النفوس. ولتبددّ إمكانات وطاقات سوريا العسكرية والبشرية. ثم لاحقاً لتنتقل العدوى إلى الدول العربية الأخرى. يجب ألا ترتاح المنطقة. يجب أن يبقى التوتر قائماً على ساحاتها بعيداً عن إسرائيل. هذا هو الأمر الذي يريحها ويكسبها الوقت. الاقتتال الفلسطيني – الفلسطيني السياسي أو الأمني. والفوضى على الساحات العربية. ومشاكل الأنظمة. وعدم الانتاجية – والبطالة – والفقر- والأمراض البيئية - والصحية - والتلوث - والتصحّر- والحاجة إلى المياه رغم الثروة كبيرة – والظلام - والظلم- وارتفاع نسبة الأمية كل هذا لمصلحة إسرائيل. والدول التي تشتري الوقت ، تحاول ترتيب أمورها ، وحماية ساحاتها وإبقاء النار محصورة على الساحة السورية. هي صاحبة مصلحة في أن يطول أمد الأزمة في سوريا. نحن في لبنان. اعتمدنا نظرياً سياسة النأي بالنفس. ثمة حساسية في مجتمعنا اللبناني. لم نخرج بعد من آثار حروبنا الداخلية وحروبنا مع الاحتلال الإسرائيلي ونتائج الوصاية السورية علينا. الانقسام حاد. وأخطر وجوهه الانقسام المذهبي السُني – الشيعي. أسبابه كثيرة. ظواهره. عناوينه. متنوعة خطيرة. ثمة أحقاد في النفوس لم نشهد لها مثيلاً. ثمة خوف من جنوح نحو المشاكل، جاء الحدث السوري. كان اتفاق على النأي بالنفس. الذي يراقب الحركة السياسية في الأيام الأخيرة، يشعر بقلق كبير لأن الفريقين للأسف يتهمان بعضهما بالدخول الميداني على خط الأزمة السورية. وكل فريق يبّرر موقفه. لكن لذلك انعكاسات خطيرة في الداخل. ثمة ظواهر لم تشهدها الحياة السياسية اللبنانية. وثمة خطابات لم نسمعها من قبل. مصطلحات وأسلوب تخاطب بين اللبنانيين خطير جداً لما يزرعه في نفوس الناس "ولا يلتام ما جرح اللسان"... نعم هذه هي الحقيقة. وصل الأمر بواقعنا السياسي إلى حدّ اعتبار الإنجاز الكبير من الناحية التقنية والسياسية والمعنوية الذي حققته المقاومة بإرسال طائرة دون طيار لتحلق في أجواء فلسطين فوق الأراضي المحتلة وتربك إسرائيل وتخترق كل أجهزتها المتطورة وتلتقط صوراً لمواقع مهمة، استفزازاً لإسرائيل. إسرائيل عدوّنا! هل لأن القائلين إسرائيليون؟ على الأقل كثيرون منهم ضد إسرائيل وقاتلوها في مراحل كثيرة. وكل أدبياتهم وتاريخهم ضد إسرائيل. لكن الانقسام الداخلي، ومخلفات حرب الـ2006، وما جرى بعدها واستخدام السلاح في الداخل، وإنكسار الحد الأدنى من الثقة بين اللبنانيين والقطيعة ومحاولات التفرد بالقرار، والتفلت في الشارع. والاستقواء والاستعلاء وانقطاع الحوار الجدي وعدم الرغبة في الذهاب إلى حرب جديدة رغم كل ممارسات إسرائيل وتقصير الأمم المتحدة في فرض تطبيق القرار 1701 وعدم الاتفاق على استراتيجية دفاعية، كل هذا يجعل الناس لا يتحملون كلمة أو تصرفاً أو ممارسة قد تنعكس على استقرارهم وأمنهم وسلامهم، فكيف إذا كان كل لبنان سيتعرض للدمار في حال وقوع حرب ولن نجد من يقف معنا. وكان ينقصنا الحدث السوري والاتهامات الدائرة حول الانغماس فيه. ويحصل كل ذلك في وقت يعيش فيه اللبنانيون أزمة اقتصادية واجتماعية خانقة والتخبط سيد الموقف في اتخاذ القرارات على مستوى مؤسسات الحكم . تسرّع، انفعال توتر، ارتجال. استسهال القرارات. ثم التورط فيها. دائرة مقفلة وارتفاع في الأسعار وهدر مال وسرقات. وفوضى وشلل مؤسسات وغياب رقابة ومحاسبة والبلاد على أبواب الانتخابات وكل شيء يستخدم فيها للفوز فيها دون أي أفق لحل أزمة من أزماتنا التي تتراكم ووضع المعارضة صعب أيضاً. وأخشى ما أخشاه أن يفلت هذا الواقع من أيدي الجميع ونغرق في فوضى لا يمكن ضبطها، ولا يمكن لأحد أن يكون بمنأى عن نتائجها السلبية. أليس هذا كافياً.