"الهوية واللغة" موضوعان مرتبطان، يتفاعلان في السلوك الفردي والاجتماعي داخل الأوطان. يؤثر كل منهما على الآخر، قوةً وضعفاً. إذا قويت الهوية قويت اللغة. وإذا ضعفت الهوية ضعفت اللغة. اللغة تعبير عن الهوية طبقاً للقول المشهور "تحدث حتى أراك". وقد تحدث الله في الوحي حتى تُعرف ذاته العلية. وكلمة "لوجوس" في المسيحية كما هو الحال في إنجيل يوحنا تعني الكلمة والهوية والوجود في آن واحد. والعربية (العروبة) ليست بأب أو أم كما في الحديث الشريف وإنما العربية هي اللسان. فكل من تحدث العربية فهو عربي. وكل علماء العجم الذين تحدثوا العربية كسيبويه والفارسي وابن سينا عرب. وبلال الحبشي، وصهيب الرومي، وسلمان الفارسي، صحابة الرسول، عرب بفعل اللغة. "الهوية" من الضمير "هو" يتحول إلى اسم. ومعناه أن يكون الشخص هو هو. هو اسم إشارة يحيل إلى الآخر، وليس إلى الأنا. وهو ما يعادل الحرف اللاتيني Id. ومنها اشتق أيضاً لفظ Identity. أما لفظ الإنية فهو يعادل الحرف اللاتيني Ipse ومنها اشتق Ipseity. وبالتالي تمنع كل أنانية وخصوصية لأن الهوية تثبت الآخر قبل أن تثبت الأنا. لا تشتق الهوية من ضمير المتكلم المفرد "الأنا" إلا بمعنى الأنانية في مقابل الغيرية. أما لفظ "الإنية" فأنه مشتق من "إن" حرف توكيد ونصب. ومعناه أن يتأكد وجود الشيء وماهيته من خلال التعريف. ويماثل لفظ "الهوية" لفظ "الماهية" عند الفلاسفة أي جوهر الشيء وحقيقته. الهوية تماثل بين الأنا والهو في حين أن الماهية تماثل بين الشيء ونفسه. وهو أيضاً لفظ مشتق من أداة الاستفهام "ما"، وضمير الغائب المؤنث "هي". يستعمل في التعريف في حين أن لفظ "الهوية" يُستعمل في الوجود. أما لفظ "جوهر" فهو صورة فنية من المعادن الثمينة ويعني اللب والحقيقة أغلى ما في الشيء. أما اللغة فإنها مشتقة من فعل "لغي"، "يلغو". ومنها اللغو أي كثرة الكلام وقلة المعنى. وورد لفظ "اللغو" في القرآن 11مرة بثلاثة معان. الأول تشويه الكلام مثل اللغو في القرآن: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ) بقصد التشويه، وكذلك اللغو في الإيمان أي الكلام الذي لا معنى له: (لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ في أَيْمَانِكُمْ)، والنميمة الإعراض عن اللغو: (وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ)، (وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا)، (وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ). وهي صورة الجنة التي لا يسمع فيها لغو: (لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا). فاللغو يعادل الإثم والكذب. وقد أصبح سائداً بمعنى "اللسان" وهو اللفظ الذي يعادل Langue الذي يعني أيضاً اللسان. وفي علوم اللغة أصبح الشائع هو "اللسانيات" وليس اللغويات. وهو اللفظ المستعمل في القرآن: (لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ). ورد لفظ "لسان" في القرآن 25 مرة، أكثرها بمعنى الكذب (9) ومعه الصدق (2). ثم الفصاحة والعي (8) ثم لسان القوم (5)، واللسان عربي: (لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ، بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ) حتى يتحقق الإنذار، وبالرغم من أنه لسان عربي إلا أنه مصدق لما جاء قبله بالعبرية والآرامية: (وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَاناً عَرَبِياً لِيُنْذِرَ الذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ). وكل نبي أرسل بلسان قومه كي يكون أكثر تأثيراً: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ). ولما كانت الأقوام مختلفة فالألسنة مختلفة: (وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ). واللسان هو البلاغة والفصاحة والطلاقة مثل موسى مع هارون: (هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً)، دون تعجل: (لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ). ودون تلعثم: (وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي)، (وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي). وينشأ التلعثم من الخوف: (فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ)، واللسان هو القول الصادق: (وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا)، (وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ)، ونقيضه هو القول الكاذب: (لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ)، (يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ)، (وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ)، (وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ). ويلقي اللسان بالسوء: (وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ). ويعبر عما ليس في القلب وهو طريق النفاق. واللسان يعبر عما في القلب كجزء من وحدة الوعي الذاتي العقلي، العقل واللسان والفعل: (يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ)، (وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ)، (وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ)، (إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ). واللسان شاهد: (أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ، وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ)، (يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ). في حين يكثر من استعمال لفظ الكلام. وهو صفة لله. فالله متكلم. وقد يكون صمتاً أو إشارة أو رمزاً كما حدث مع مريم عندما كانت آية براءتها ألا تكلم الناس ثلاث ليال إلا رمزاً. والصمت عند الصوفية لغة وتعبير أبلغ من الكلام. إذا اتسعت الرؤية ضاقت العبارة كما صرح النفري. والهوية أسبق في الوجود الإنساني من اللغة وإن كان الوجود أسبق منها. فالوجود يوجد أولاً. ثم يتحرك باعتباره وعياً ذاتياً إلى هوية. ثم تعبّر الهوية عن نفسها باللغة لإيصال رسالتها إلى الآخرين. فاللغة تعبير وإيصال. ولا يوجد إلا هيدجر الذي قال بأن اللغة منزل الوجود. فاللغة توجد أولاً ثم يسكن الوجود فيها، وهي المعركة التي دارت في الفلسفة الغربية بين الفلسفة الحديثة حيث تسبق الماهية الوجود، والماهية هي الفكر أو الوعي أو بالتعبير الديكارتي "الكوجيتو" والفلسفة المعاصرة التي يسبق فيها الوجود الماهية. فالوجود أولاً ثم تتخلق الماهية بفعل الحرية. الوجود هو الهوية ودلالته هي الماهية، واللغة هي الحامل لها والمؤثر عليها. وقد تحدث الفلاسفة عن قانون الهوية، أن يكون الشيء مطابقاً لنفسه وليس غيره. وهو مبدأ ميتافيزيقي من مبادئ الوجود. واعتبره الوضعيون تحصيل حاصل. فمن الطبيعي أن يكون الشيء هو نفسه وليس غيره. هو مشكلة زائفة وبالتالي لا حل لها. فالفيلسوف المثالي يثير الغبار ثم يشتكي من عدم الرؤية. والحقيقة أن الهوية ليست قضية صورية بين الإثبات والنفي، بين المثاليين والواقعيين بل هي تجربة إنسانية معاشة. فالإنسان هو الذي له هوية وليس الشيء الطبيعي. هوية الشيء إسقاط من هوية الإنسان على الطبيعة، من الداخل على الخارج. تتجلى في لغة الحب الإنساني ولغة الحب الإلهي عندما يقول الحبيب: "أنت أنت" واصفاً الحبيب أياً كان ذلك الحبيب. وهي لغة التوحد بين الحبيبين "أنا أنت، وأنت أنا". وكل صياغة نظرية لقانون الهوية وما يقابله من قانون التناقض هو تجريد نظري لتجربة معاشة كما هو الحال في قانون الجدل عند فشته: الأنا تساوي الأنا، والأنا ليست اللا أنا. قانون الهوية تعبير عن ألمانيا المحتلة من نابليون. وقانون التناقض هو التعارض بين ألمانيا والمحتل. والأنا المطلق المركب من الأنا واللا أنا هي الإنسانية الخالية من الاحتلال عندما تعيش الشعوب كلها كشعب واحد. الهوية إمكانية توجد أولاً توجد مصاحبة للوجود كوعي ذاتي. تتخلق بالحرية. كل ذات لها هوية كامنة توحدها وتحميها من الانقسام. الوجود الإنساني غير الوجود الطبيعي. مقولاتها الوجود والإمكانية والوعي الذاتي وليس الوجود والعدم. جعلها هيجل في منطقة جوهر الوجود تتخلق منه ولكن ليس بفعل الضرورة لكنه بفعل الحرية. وفي هذه الحالة تسمى الهوية الهوية والذاتية Self-identity. وفي هذه الحالة لا يحتاج تحليل الهوية واللغة إلى مراجع القيل والقال ونقل تجارب الآخرين وتحليلاتهم دون الاستناد إلى تجربة معاشة حية. وقد تم اللجوء إليها في أقل الحدود.