منذ بداية ما بات يسمى "الربيع العربي" جنح كثير من الكتاب الغربيين المهتمين بالشؤون العربية إلى ترويج رواية الدور الاستثنائي الذي لعبته شبكات التواصل الاجتماعي من فيسبوك وتويتر وغيرها من أشكال الإعلام الجديد في تحقيق التحولات العربية التي تكشفت في النهاية عن تغيير نظم تونس ومصر وليبيا واليمن، وما زال المشهد السوري في أشد حالات المخاض تعسراً واحتقاناً. وخلف فرضية ثورات الفيسبوك والتويتر هذه ظلت تتخفى أيضاً فرضية أخرى، ربما تبدو أكثر وجاهة، هي الدور الاستثنائي الذي لعبته الفئات والشرائح العربية الشابة في قيادة الاحتجاجات بدول شمال إفريقيا خاصة، وذلك لأسباب اقتصادية ومطلبية بالدرجة الأولى، لكون هذه الفئات هي الأكثر تضرراً من حالات الإخفاق التنموي المزمنة، مع كل ما يرتبط بها من تراجع مستوى المعيشة، وتفشي البطالة، وتهالك البنيات التحتية، وفي المجمل ضعف أداء النظم السابقة، وعجزها عن الاضطلاع بالالتزامات العامة الخدمية، بل والمعيشية المترتبة عادة على الدول تجاه مواطنيها. وفي سياق السجال حول الأسباب الفعلية التي أدت إلى نشوب الثورات العربية، ومدى دقة المزاعم حول كونها ثورات رقمية فيسبوكية، يأتي كتاب المؤلف الفرنسي إيف جونزاليس- كويجانو الصادر في شهر أكتوبر الجاري، تحت عنوان "العروبات الرقمية... ربيع الويب العربي"، ليقرأ ظاهرة "الربيع الرقمي العربي" من منظور موضوعي، مستنداً في ذلك إلى معرفته الواسعة بشؤون المنطقة العربية. ذلك أنه إلى جانب كونه أستاذاً محاضراً في الأدب العربي بجامعة "ليون 2"، يعتبر أيضاً أحد أبرز المتخصصين الفرنسيين في شؤون الشرق الأوسط، كما تولى ترجمة بعض أشهر الأعمال الأدبية العربية إلى الفرنسية، ومنها على سبيل المثال لا الحصر أعمال الشاعر الفلسطيني محمود درويش. وفي البداية يقول الكاتب إن الدور الذي لعبه المدونون العرب على الفيسبوك والتويتر في الحشد للتظاهرات التي عرفتها مصر وتونس خاصة أمر لاشك فيه، ولكنه أيضاً جزء من الحقيقة فقط وليس كل الحقيقة، وخاصة إذا تذكرنا أن نسبة كبيرة من سكان البلدان العربية ما زالوا غير جاهزين لاستقبال رسالة العالم الرقمي، هذا زيادة على وجود معدلات ملموسة ممن يعانون أصلاً من الأمية الأبجدية. وحتى من داخل شريحة نشطاء العالم الرقمي نفسها فليس من الدقة أيضاً الحديث عن ثورات فيسبوك وتويتر ومواقع إعلام وتواصل اجتماعي وحدها، وذلك لأن الوعي السياسي الرقمي، إن صح التعبير، لم يظهر فجأة في المنطقة، وإنما تأسس على تحولات واسعة عرفها الإعلام العربي خلال العقود الأخيرة. وفي هذا المقام تبدو مواقع التواصل استمراراً لثورة المدونات التي عرفتها بعض الدول العربية خلال سنتي 2003 و2004، وقبل ذلك ثورة الفضائيات التي فتحت بدايات انطلاق عصر "الديجيتال" في العالم العربي، وألغت لأول مرة احتكار الإعلام الرسمي، والتقليدي لفضاء التداول العربي العام. وقبل الفضائيات أيضاً ظهر إعلام المهجر من صحف ومجلات مطبوعة في العواصم الغربية، بعيداً عن الرقيب التقليدي الداخلي. ولكن الأمانة تقتضي كذلك القول إن كل هذه التحولات لم تشهدها المنطقة العربية وحدها، وإنما هي حالة عالمية شاملة، وهو ما يثير السؤال، مجدداً عن الخصوصية التي جعلت حالة دول شمال إفريقيا تحديداً استثنائية، وربيعها ناجزاً؟ ولماذا لم ينضج في ذات الوقت أيضاً ربيع آسيوي وآخر أميركي لاتيني وإفريقي، وروسي وصيني... الخ، علماً بأن بعض هذه المناطق تشهد طفرات وعي رقمي، وترفع شعوبها مطالب شبيهة بمطالب شعوب الدول العربية المتعثرة تنموياً. وفي سياق طرحه لا يميل الكاتب إلى ترجيح افتراض المتفائلين الذين يتوقعون أن تكلل تحولات دول "الربيع العربي" بعهد جديد من الديمقراطية، بقدرما يرى أن مناط الحكم على الحصيلة النهائية لهذا الحراك هي بما سيتكشف عنه من تطوير وتنمية سياسية واقتصادية، وإن كانت صناديق الاقتراع قد دفعت حتى الآن بقوى غير مصنفة تقليدياً على أنها قوى ديمقراطية. وفي الأخير يسعى الكاتب لوضع دور العالم الرقمي في التحولات العربية في سياقه الحقيقي والموضوعي، دون مبالغة أو إفراط أو تفريط، وهو حقيقة كون وسائل الإعلام الجديد، والإمكانات التي تتيحها للمواطن الصحفي، قد وفرت وسائل سياسية واتصالية جديدة، يمكن أن تستخدم لتحفيز الديمقراطية، أو لتحجيمها، سواء بسواء. وحال العالم العربي في هذا كحاله مع دخول المطابع إليه في القرن التاسع عشر، فقد اكتسب وسيلة نشر للوعي والمعرفة جديدة لم تكن متاحة، وليست وسيلة تثوير أو تحريض. وهذه هي الحقيقة، بعيداً عن الخطابة الثورية الرومانسية، الرائجة بهذا الشأن. حسن ولد المختار -------- الكتاب: العروبة الرقمية، ربيع "الويب" العربي المؤلف: إيف جونزاليس- كويجانو الناشر: آكت سيد تاريخ النشر: 2012